حمص خارج الزمن بتوقيت كرجية الحداد

صورة

“لقد كسروها و باعوها خردة” يقول سائق التاكسي لـشعلان كيشي آخر مصلحي الساعات البرجية في حمص.  آخر يقول هازئاً: “تخيل لقد باعوا الساعة، وسيأتي يوم لن تجد هذا البناء حتى” مشيراً بيده إلى البناء الحجري الأبيض الموشى بالأسود، الذي يحمل ساعة كرجية حداد”، المتعارف عليها في حمص بـ (الساعة الجديدة). شعلان ضاق ذرعاً  بالشائعات التي يتفنن سائقو التاكسي في تداولها مع ركابهم. ترك أسرته في طرطوس الجمعة الماضية، وعاد ليركّب مينا الساعة وعقاربها التي يحبّ، موقفاً عقربيها عند الرقم (12) تماماً.

خبير الكار

شعلان هو الخبير الجديد الذي تعاقدت معه بلدية حمص لصيانة الساعة بعد وفاة والده عبد الله كيشي الخبير السابق، المجدّد و المطوّر لها، وهو مع إخوته و أبناء عمومته هم الجيل الرابع في العائلة التي تصلح الساعات، حيث بدأت هذه المهنة مع والد جده الذي كان يصلح ساعات الجيب العام 1890، وتوارث الأبناء المهنة وقاموا بتطويرها، وقاموا بإدخال الإلكترونيات على (كار) الساعات المتوارث، ووسعوا أعمالهم إلى مدريد وواشنطن، وبعض المدن العربية، حيث يختصّ شعلان وأخواه سمير وأمير بالساعات البرجيّة. خصوصاً أن بلدية حمص لم تجد من يصلح ساعة كرجية، التي توقفت سنوات عشر سوى عبد الله كيشي – خبير عدادات النفط في شركة ال (IBC)- في منتصف الثمانينيات، الذي تفرغ لمهنة عائلته (الساعات) بعد تقاعده.

 كرجية وعمر أبو ريشة

الساعة المتموضعة أمام دار الحكومة، تحمل اسم المغتربة كرجية حداد، التي زارت سوريا عام 1951 برفقة وزير سوريا المفوض في البرازيل الشاعر عمر أبو ريشة، وتبرعت بكامل تكاليفها التي وصلت إلى 100 ألف ليرة وقتها، لبناء ساعة تضبط إيقاع مدينتها. تم تدشينها في 14 آب 1964 كما هو منقوش في اللوحة الحجرية التي تحمل اسمها وصورتها الموجودة على إحدى وجوه الساعة مربعة الشكل، التي وضع تصميمها المهندس عمر مالك.  بلغ ارتفاعها 16.56 متراً، أما المواصفات الفنية الأخرى، فيقول شعلان عنها: “طول عقرب الدقائق 90 سم، وعقرب الساعات حوالي 70 سم، أما قطر مينا الساعة فبلغ 2.4 متراً”.

شغب الملاعب

الساعة الجديدة كانت ضحية لشغب الملاعب -رغم بعدها عن ملعب المدينة- إلا أن بعض الغوغائيين قام بكسر بابها، وقطع أسلاك التغذية عنها، فزادوا على هرمها الذي فرضت السنين ثقله على أدائها، مما استدعى إسعافها إلى طبيبها الذي يعالجها حالياً ، ويقوم بترميم ماكيناتها المرهقة من أثر الأعوام الطويلة التي مرت عليها، والذي يقول : “ماكينات الساعة لازالت نفسها منذ افتتاحها عام 1964، حيث نقوم بصيانتها و إصلاحها يدوياً “.

لمسات عائلية

قام شعلان مع والده بتطوير الساعة عما كانت عليه، حيث تم تحويلها من ميكانيكية إلى نصف الكترونية، من خلال استخدام النبضات الكهربائية بدلاً  من استخدم البندول في ضبط توقيتها، وقام بوصل بطارية قابلة للشحن تستمر في عملها لمدة ثلاثة أيام – في حال انقطاع التيار الكهربائي، ويضيف: “أيضاً قمنا بإضاءة الساعة من الداخل، دون أن يؤثر هذا على شكلها الخارجي، وأضفنا لها جرساً  يدق كل ربع ساعة، بنغمة ساعة بيغ بين الشهيرة”. أما المشقة الكبيرة التي يتكبدها في تصنيع قطع غيار للساعة فيراها شعلان متعة لا يضاهيها متعة “فلا أجمل من إعادة الحياة إلى الأشياء المعطلة”، ويعتبر أن استبدال الماكينات القديمة بأخرى حديثة “يفقد الساعة قيمتها المادية والتاريخية الجميلة “.

مهنة العائلة

“مات الخبير .. فتوقف التوقيت” هكذا عنون أحد الصحفيين بجريدة (العروبة) الحمصية زاويته، في عددها الصادر يوم وفاة عبد الله كيشي، متسائلاً  عن مصير الوقت في حمص، التي بقي وقتها غير دقيق حتى تمّ توقيع عقد الصيانة مع شعلان كيشي الذي يقول: “أحب هذه الساعة و أحترمها، لي ذكريات جميلة معها. أتفقدها كل يوم كحبيبتي و أطمئن عليها”.

توقيت دقيق

دقت الساعة الواحدة بعد الظهر في منزل شعلان الكائن في حي الدبلان، بينما أشارت ساعة يده إلى الواحدة إلا دقيقتين. “باب النجار مخلوع !”، تتساءل. ينتفض شعلان: “لا، التوقيت الصحيح هو كما في ساعة يدي، فأنا أحب الدقة جداً”. يضحك شعلان ويعرّف الساعاتي بــــــــأنه: “رجل يضيّع وقته في ضبط أوقات الآخرين” إلا أنه يعد الحماصنة أن تعمل الساعة على خير ما يرام، و أن يعودوا إلى ضبط ساعاتهم على إيقاعها، قبل نهاية الأسبوع الحالي.

صورة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s