معهد مصدر: عندما تدرس في معهد صديق للبيئة

صورة

“يرجى منكم الجلوس في مقاعدكم والضغط على الزر الأخضر”. تضغط الزر الأخضر وتنطلق الرحلة. المركبة تسير بلا سائق. أين السائق؟. يوجد سيارة تتحرك قبل سيارتنا، سيارتنا توقفت. أجهزة استشعار تتولى مهمة اكتشاف العقبات لتفادي أية حوادث. تنهي السيارة مناورتها وتنطلق كليهما بسرعة معتدلة.

عند زيارة معهد مصدر عليك ترك سياراتك خارج حدود الحرم الجامعي، والتوجه إلى محطة النقل الشخصي السريع لركوب المركبات الكهربائية العاملة بالطاقة المتجددة، والمخصصة لنقل الأشخاص من وإلى الحرم الجامعي. إنها “أول سيارة في العالم تستطيع التحرك في منحنيات، يوجد مثيل لها في مطار هيثرو إلا أنها تتحرك فقط في اتجاهين إلى الأمام وإلى الخلف فقط”، ويضيف حمزة كاظم نائب رئيس معهد مصدر “تسير المركبات بسرعة تصل إلى 40 كلم/ساعة في المسارات المستقيمة، وحوالي 25 كلم/ساعة عند المنعطفات، وهي مجهزة ببطاريات قابلة لإعادة الشحن”. “الأبواب تفتح”، يندلع صوت نسائي في المقصورة الصغيرة. لقد وصلت معهد مصدر.

عندما تصل محطة معهد مصدر للنقل الشخصي السريع، أشعة رفيعة من الشمس تداعب وجهك لتنير الباركينغ بشيء أشبه بإنارة الحمامات العربية التقليدية من خلال الفتحات الزجاجية في القباب. الدكتور حمزة يؤكد الموضوع ويقول “لقد استفدنا من كافة التقنيات البيئية المستخدمة في العمارة العربية، لتوفير استهلاك الكهرباء إلى الحد الأدنى”.

شاشة عملاقة تحتل الحائط الأيسر لمدخل محطة معهد مصدر للنقل الشخصي السريع، تعرض مشاهد مصورة ومعلومات عن المعهد. سلم لولبي على شكل إشارة استفهام يفضي صعوده إلى المدخل الرئيسي المؤدي للمعهد.

لجنة تقييم المواد الداخلة إلى مدينة مصدر ممر إجباري لكل مواد البناء، ولا بد من فحص مدى صداقتها للبيئة، فمن الممكن أن تكون المادة صديقة للبيئة لكن وسيلة نقلها تجعلها غير مستدامة. وإحدى العوائق التي واجهت القيمين على مدينة مصدر هو عدم وجود هذا المعيار المتقدم في الحفاظ على البيئة، وكان أبرز التحديات خلق معايير عالمية بالشراكة مع خبراء من خلفيات متعددة، وأفضل المعماريين في العالم. حيث صممت مباني المعهد ليكون استهلاكها من طاقة التبريد أقل بنسبة 55% من استهلاك المباني التقليدية ذات الحجم نفسه، واستهلاكها من المياه الصالحة للشرب أقل بنسبة 54%، واستهلاكها من الطاقة الكهربائية أقل بنسبة 51%، بالإضافة إلى قدرتها على استعادة 75% من إجمالي الطاقة الحرارية المنبعثة للخارج، ويستمد المعهد طاقته بالكامل من الطاقة الشمسية. “النظام بالكامل وطريقة الحياة غير موجودة في العالم إلا في هذا المكان”، يؤكد نائب رئيس معهد مصدر.

أول ما يلفتك بعد صعودك الدرج هو لون الحائط، أليس لون الاسمنت؟. نعم تأتي الإجابة. “لم نرغب في صباغته بلون ولو كان صديقاً للبيئة أي لا تتعدى نسبة الكاربون فيه درجة معينة، نحن نصنع معهداً والمظهر يشبه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهذا ما يسمى بالـــ (industrial look)، لقد نظرنا إليه بعين الاستدامة وبعين جمالية أيضاً”.

معهد مصدر انتقل في مستهل السنة الأكاديمية 2010 -2011 إلى حرمه الجامعي الجديد في مدينة مصدر، حيث استكملت المرحلة الأولى من الحرم الجامعي الذي يعد أحد أرقى المباني الصديقة للبيئة وأكثرها تطوراً واستدامة على مستوى العالم.

“في حوزة معهد مصدر 12 براءة ابتكار، والحديث عن جامعة لم تنه بعد عامين على ميلادها”، يقول كاظم.  ويعيد هذه الإنجازات إلى المعايير العالية التي يلتزم بها المعهد والتي جاوزت في بعض تفاصيلها (MIT)، وأشار إلى أن على الموظفين المرور بدائرة القبول في MIT ، كما الدكاترة والهيئة الإدارية. ولفت إلى أنه في العام الدراسي الحالي تم قبول 80 طالبا وطالبة فقط من أصل 1900 مرشحاً، مشيراً إلى وجود طلبة حصلوا في امتحانGRE  على العلامات الكاملة.

باحثون من أفضل الجامعات يدرسون في هذا المعهد جاؤوا من أعرق الجامعات منها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ((MIT وجامعة ستانفورد وجامعة كاليفورنيا – بيركلي وجامعة مشيغان وجامعة واترلو والمعهد الكوري للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة. “كثير منهم يرغبون بإضافة جديد إلى العلم، وهذا متاح هنا”، يؤكد حمزة كاظم.

تخرج إلى الساحة لتتنقل بين جنبات المعهد، تلاحظ ان الممرات ضيقة ومظللة، “هنا درجة الحرارة أقل بما يعادل 8 درجات مئوية عن الجو المحيط”، ويشرح السبب نائب مدير معهد مصدر.  البارجيل أو برج الهواء الذي يرتفع 45 متراً، يلتقط التيارات الهوائية الباردة ويوجهها نحو الساحة الأرضية المفتوحة عند قاعدة البرج، وتم تجهيزه بغشاء خاص لنقل الهواء نحو الأسفل، بينما تتولى الأجهزة المزيلة للرطوبة وأجهزة رش الرذاذ المثبتة في أعلى البرج إضفاء المزيد من البرودة على الهواء. مما يولد نسائم هواء باردة ويضخها نحو الساحة في الأسفل حتى في غياب التيارات الهوائية القوية.

المباني ذات اللون القرميدي مصممة على مبدأ الجرة الفخارية التي تحافظ على الماء، فالمطلوب تخفيض درجة الحرارة اللازمة لتبريد الغرفة، ولو افترضت حرارة الغرفة 37 درجة، فإنك بهذه العملية تخفض الحرارة إلى ما يقارب 29 درجة، وبالنظر إلى أن درجة الحرارة المفترض الوصول إليها هي 24 درجة فإن تخفيض الحرارة من 37 إلى 34 يتطلب طاقة كبيرة وتخفضينا لمتطلبات الطاقة يساهم في توفير هذا الهدر من الطاقة، يشرح حمزة كاظم.

صورة

إن كنت تدرس في هذا المعهد، لست بحاجة للخروج لأن كل ما تحتاجه من خدمات موجود تحت ناظريك، فرع للبنك وشركات الاتصالات والبريد، وكل ما تحتاجه من الخدمات في الحياة اليومية من مطاعم، ومصلى، وشركات تتولى حجوزات الطيران، وسوبر ماركت.

لمغادرة المعهد ما عليك سوى التوجه إلى الطابق الأرضي من مبنى المعرفة، وانتظار سيارة ميتسوبيشي صغيرة لتقلك إلى موقف السيارات، إلا أن رحلة الفضول لم تنته بعد، يقفز السؤال كلمبة مضيئة في رأسك لماذا تم اختيار هذه السيارة تحديداً؟. في الجيب الذي أمامك تكمن الإجابة. يمكن أن تشحن بنسبة 80% في نصف ساعة، من مقبس استطاعته 125 أمبير، إلا أن الأمر يعتمد على الحرارة الخارجية، في حين يتم شحنها بالكامل من مقبس المنزل العادي (AC 230v) في 6 ساعات. ويخبرك كاظم عن مشروع لقياس كمية استهلاك السيارة من الوقود عن طريق جهاز آي فون خاص موصول مع محطة رصد.

تصل الكراج، تدير محرك سيارتك. جهاز التكييف يعمل بطاقته القصوى. في ظل ما شاهدت وسمعت، ترى كم تساهم سيارتك في الحفاظ على البيئة؟.

كوادر

معهد مصدر

يمتد الجزء الأول من المقر الدائم لمعهد “مصدر” للعلوم والتكنولوجيا، على مساحة 60 ألف متر مربع، تتضمن سكناً للطلاب و6 مختبرات وعدداً من القاعات التدريسية والمرافق الخدمية والترفيهية والتجارية، في حين تبلغ مساحة الجزء نحو 80 ألف متر مربع، ليصبح قادراً على تقديم تسهيلات لنحو 500 طالب، تتضمن 9 مختبرات مفتوحة، وغرفتين “نظيفتين” لأغراض الاختبارات، و13مختبراً، وقاعة محاضرات تستوعب 90 شخصاً، و12 قاعة للتدريس، ووحدات سكنية تستوعب 324 طالباً.

 صورة

مركز المعرفة

أحد أبرز المعالم الهندسية بني سقفه على شكل قبة للاستفادة القصوى من الألواح الكهروضوئية، كما تم تظليل جميع نوافذ المركز من أجل منع دخول أشعة الشمس مباشرة إلى الداخل وبالتالي الحد من معدل استهلاك الطاقة للتبريد، وفي الجانب الشمالي الشرقي من السطح الخارجي للمبنى، توفر قطع الزنك المثنية مساحة مظللة وتوفر تهوية جيدة لبعض أجزاء المبنى، وتم اختيار مادة الزنك لتغطية السطح نظراً لانخفاض آثارها على البيئة.

 النقل الشخصي السريع

تسير المركبات دون سائق، ويتم التحكم بها بواسطة نظم الملاحة اللاسلكية، إلى جانب اعتمادها على حقل مغناطيسي ونظام تحديد المواقع العالمي، ومزودة بأجهزة استشعار دقيقة للكشف عن العقبات.

البارجيل

تعكس الإضاءة في البرج معدل استهلاك الطاقة داخل الحرم الجامعي بحيث يضاء باللون الأحمر عند ارتفاع استهلاك الطاقة وباللون الأزرق عند انخفاض الاستهلاك نحو المستويات المعقولة.

22% أغلبية

لا يزال الطلبة الإماراتيون يمثلون الأغلبية من حيث الجنسية بنسبة بلغت 22% من العدد الإجمالي للطلبة، في حين تمثل الطالبات 37% من إجمالي عدد الطلبة.

أخشاب مستدامة

كافة أخشاب شجر دوغلاس البالغ وزنها 150 طن المستخدمة في سقف مركز المعرفة مرخصة من قبل “مجلس رعاية وإدارة الغابات” (FSC)، ما يعني أنه قد تم قطعها من غابات تجري إدارتها على نحو مستدام.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s