سناء موسى: وريثة الجدات

 سناء موسى تستعيد دفء تهاليل الجدات وتبث لواعج الحنين على لسان الجدات المؤرخ الشفاهي الأبرز للتراث

  Image

في مشروع (إشراق) الذي أنتجته سناء موسى بالتعاون مع مؤسسة عبد المحسن القطان التي تعنى بالتراث الفلسطيني، دمجت سناء ذاكرة الفتاة الفلسطينية في محطات مختلفة من عمرها بدأتها في الثالثة، مروراً بمحطات توقف في العشرين والثلاثين ربيعاً. القديم مما اختزنته الذاكرة بالجديد، مسقطة إحساسها وتخيلها لما سمعته من ذاكرة الجدات المنسية في التراث الفلسطيني، من تهاليل الأطفال، وأغنيات الوداع، ومشاعر الحب والفرقة، والرثاء.

“هي يما ودعيني قبل ما روح/ ما تدري بعثراتي وين روح/ ما صبر صبري لا يوسف ولا نوح/ ولا أيوب لما ابتلى”. بيتان روتهما لطيفة سمعان عن والدتها حوّا جريس سمعان من قرية سمحاتا المرحّلة (الجليل الأعلى)، هي جزء من مقطوعة سفربرلك، وهي واحدة من عشر مقطوعات جمعتها الفنانة الفلسطينية الشابة سناء موسى في ألبومها الأول (إشراق).

سناء فنانة فلسطينية تحمل شهادة دكتوراه في أبحاث المخ من جامعة القدس، وباحثة في التراث الفلسطيني، حاولت توثيق مراحل من التاريخ السياسي الفلسطيني بالأغنيات، حيث سمعت جدتها تتحدث عن السفربرلك وتجنيد الحكم العثماني للشباب إجبارياً، ووداع الأمهات لأبنائهن المجندين، وهي في الثالثة، وظلت هذه الكلمة عالقة. حتى جاءت (إشراق) لتكون فرصة سانحة  للحديث بلسان الجدة -المؤرخ الشفاهي الأبرز للتراث- مع عشرة مقطوعات في (إشراق)، بما تحدثت به الجدات لأحفادهن من تهاليل، وما غنته الزوجة البعيدة عن أهلها لابنها لينام، معبرة عن أحاسيس لا رقيب عليها سوى ذاكرة طفل بيضاء، وتستعيد في (عينه ملانه نوم عينه) مناجاة الأم المشتاقة لأهلها وطلبها أن يزوروها، أو أن تخاطب زوجها الذي يضطر لترك البيت منذ الفجر.

سناء أعادت التغيير العفوي الذي أسقطته على بعض المقطوعات إلى التقادم والتراكم ونظرتها الحالمة إلى التراث، في حين تركت الجزء الثاني من المشروع  مرآة لما تركته هذه المقطوعات من أثر جعل (إشراق) إسقاطاً على التراث أكثر من كونها تراثية. وتتداخل فيها ارتجاعات هذيانية حقيقة. خيالي وإرادي.

تعترف سناء أن إحساسها لن يكون كإحساس الجدات اللاتي روينها، وغنينها، إلا أن شعورها بأنها لا تزال تعيش عصر جدتها، وذاكرتها العالقة بصابون وغسيل البيت، في بيتها الذي تربت فيه يجعلها قادرة على تقديم نوع من الأغنيات، تبدو خارج من منطقة مغبرة من التاريخ، إلا أن إصرارها على استعادة المرحلة الممتدة حتى أربعينات القرن الماضي، دفعها لنفض الغبار عنها في إصدار موسيقي يعني بالتراث الشفاهي للشعب الفلسطيني -ربما يكون إطلاق صفة التوثيقي غير دقيق، بسبب إسقاط الجديد على تراث الجدات- ومقابلة لاجئات بين الخامسة والسبعين والخامسة والثمانين من العمر من فلسطين التاريخية، واستعادة مقاطع تعيد نظرة مختلفة إلى الموروث، ففي أغنية (نيالك ما أهدا بالك) تستعيد سناء أغنية النساء الوحيدات، اللاتي يحسدن فيها طير البوم على سكونه وهدوئه، برغم كونه مصدراً للشؤم في الموروث العربي.

وبرغم ما يحمله المشروع من مقومات توثيقية، واستعادية لمراحل تاريخية لما قبل النكبة، إلا أن سناء تعتبر ما قامت به عملاً فنياً، لأن (إشراق) مشروع لم ينته بعد، وما قدمته لا يعدو عن حالة عاشتها وأثرت بداخلها وقدمتها، وتقول إنها لم ترسم خطة لتصبح مشهورة، أو غنية، إنما تقوم بما تستمع به، “وما استمتع بتقديمه الموسيقى” تقول سناء، التي تعبر عن انعكاسات دواخلها، وهو ما يمكن أن ينتهي بعد عام أو عشرين عاماً أو حتى وقت قصير، تضيف سناء. كلام فيه كثير من التواضع، لأن مشهد سناء ابنة قرية دير الأسد وهي ترحب بابن بلدتها الذي لم تلتقه في حياتها، وأغاني العرس التي غنتها في أول لقاء معه يخبرك عن عمق إحساس يصعب أن ينضب بسهولة.

موسى تقطن بيت لحم، في بناء قديم يحوي بئر ماء، وشجرة ليمون عمرها 70 سنة، نسألها ألا زلت تسكنين بيت جدتك؟. تؤكد سناء الأمر بالقول: “بيت ستي أحلى، وغسيل ستي أنظف من غسيلنا، وأنا في حالة إنكار مقصود للواقع، لأني أرفضه كما هو، وهذا ما كانت عليه جدتي في زمانها، ورائحة الميرمية المحروقة أحلى من روائح البخور، والورد الجوري أجمل الورود المتناسقة”.

Image

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s