أول ميكانيكة في الإمارات

زهرة حسين، تصوير: مصطفى الجندي.
تصوير: مصطفى الجندي

«أول سيدة ميكانيكية في دولة الامارات العربية المتحدة تدعوكم إلى ورشتها بأبوظبي»

بعد احتراق ورشتها في مدينة (كرج) القريبة من العاصمة الإيرانية طهران، توجهت زهرة حسين إلى دبي للعمل. الحريق أتى على خمسة سيارات قيمتها 60 مليون تومان إيراني أو ما يعادل 250 ألف درهم، ولم تفض التحقيقات إلى أية نتيجة برغم عدم وجود سبب مفهوم لاشتعال الحريق تحت جنح الليل، حينها شعرت بعدم الأمان وقررت السفر. حقيبة واحدة مع بعض المعلبات من سمك التونة وثلاثة قطع من الملابس و800 درهم، كان كل ما تملك حين وصلت دبي منذ أربعة أعوام.

عندما تسمع أن هناك ميكانيكي سيارات من الجنس اللطيف لربما يكون أول ما يتبادر إلى ذهنك امرأة خشنة الملامح، ضخمة الجثة، تدخن، وربما تبصق على الأرض، إلا أن الصور النمطية لصور ربما رأيتها في أفلام كوميدية سرعان ما تتبخر عند لقاءك زهرة. أمها لطالما رغبت أن تكون ابنتها طبيبة، لكنها صارت “طبيب سيارات” كما تصف نفسها، وتضيف “السيارات كالطفل عليك اكتشاف سبب بكائه، وكذا الميكانيكي السيارة كالطفل تبكي وعليك معرفة ما هي مشكلتها”. عند البحث في العائلة عن الملهم والمحفز لأول ميكانيكية في الشرق الأوسط، ستتعرف على أول سيدة تقود باصاً في إيران معصومة سلطان بلاغي والدة زهرة، التي أخذت المهنة عن زوجها بعد إصابته بالشلل، وهجرت التمريض مهنتها الأساسية لتنال قوت أولادها بقيادة الباص، في الطريق إلى باندراباز التي تبعد عن العاصمة طهران 2000 كيلومتر.

أنهت زهرة محمد دراستها في الجامعة وحصلت على بكالوريوس في الأدب الانكليزي، وأثناء دراستها كانت قد بدأت تجاربها الميكانيكية على سيارة والدتها، وقامت بإخراج (سفايف) السيارة، لكنها لم تعرف كيف تعيدها مكانها، وعندما قام الميكانيكي بالمهمة كانت زهرة قد تعلمت كيف تصلحها. أما أول محرك أصلحته فكان محرك سيارة أمها أيضاً، وكان ايراني الصنع من نوع (بيكان). بعدها طلبت من السيد مرادي صاحب ورشة ميكانيك في المنطقة تعليمها كيفية تصليح سيارتها، ولم يكن عندها مانع أن تبدأ بغسل عجلات السيارات كما يفعل المبتدئون في المهنة، لكنه بدأ بتعليمها عندما لمس إصرارها، بعدها “اقتنعت أمي أني أرغب بشدة أن أكون ميكانيكية”.

عملت زهرة في شركة (سايبا) التابعة لكيا وهيونداي في إيران، لمدة 6 سنوات، حاولت أثناءها الحصول على شهادة أكاديمية -برغم أن النساء ممنوعات من الحصول على هكذا شهادة، وقامت بعدة محاولات حتى سمح لي بشرط أن تخوض الاختبار مرة واحدة فقط مع أكثر من 90 زميلاً، ونجحت بالحصول على معدل تجاوز الــ80% في العام 2006، لكنها تركت العمل في الشركة بعدما وصلت ترقياتها إلى درجة مشرف، لتتفرغ لكراجها الخاص، الذي ضم ثلاثة معاونين أحدهم أخوها الذي يصغرها بــ13 عاماً، إلا ان المنافسة مع الرجال في الورشات القريبة، ألقت ناراً على أحلامها التي التهبت العام 2007.

زهراء حسين، تصوير: مصطفى الجندي.
تصوير: مصطفى الجندي

أول عمل لزهرة في دبي كان سائقة تاكسي مارستها لما يقارب العام، بعدها عملت في الطباعة باللغة الفارسية في أبوظبي لشهور عشرة، خاطبت أثنائها جميع الشركات الخاصة بالسيارات للعمل، لكن أحداً لم يقبل لكونها امرأة، إلى أن توظفت في  إحدى شركات السيارات، وعملت في قسم خدمات الزبائن، الذ تقول عنه زهرة “إنه عمل بسيط مقارنة بما أجيده”، وبعد فترة طلبت نقلها إلى قسم الصيانة واستجاب مديرها لطلبها، لكنها تركت العمل في الشركة بعد عامين لتفتتح كراجها الخاص (زهرة السلطان) في منطقة مصفح الصناعية.

التقت زهرة بحسين -زوجها- في إحدى المراكز التجارية حيث كانت تقل الركاب بالتاكسي، وبدأت الشرارة من خلال استفسار حسين عن سبب عملها سائق تاكسي، وعندما سألها ماذا كنت تعملين قبلاً، أجابت: ميكانيكية. عندها شك حسين وكان بين مصدق ومكذب، لكن بعد يومين انفجر دولاب سيارة زهرة، عندما كانا على الطريق كل بسيارته وأخبرته بذلك، وعندما طلب أن تنتظره ليساعدها، طالبته بالذهاب والتقيا في المركز التجاري، ورأى يديها متسختين بسبب الإطار، عندها تأكد حسين أنها صادقة وقرر الارتباط بها.

لم يكن العمل في هذه المهنة القاسية مشكلة بالنسبة لها، وكذا البنية الجسدية، “ألم تر سيدات يرفعن الأثقال؟”، تسألك. ترتبك لوهلة. “ماذا يمنعني إذا من حمل أوزان ثقيلة في هذه المهنة القاسية إذاً؟”، وتضيف “للتغلب على البراغي القاسية أقوم بإطالة ذراع الشد”. تحرص الميكانيكية الشابة على ميزانية زبائنها ولا ترهقهم بأشياء إضافية، وتحرص على تصليح القطع المعطلة فقط دون إيهام الزبون بأشياء أخرى، إضافة لإتقان ونظافة العمل الذي تقوم به، ويبدو كالقطع الجديدة.

لم تتعلم زهرة لغة أصحاب المهنة –البذيئة بعض الأحيان، ولعب وجودها في ورشة التصليح دوراً في إخفاء الشتائم من قاموس العاملين فيها.

زهرة حسين، تصوير: مصطفى الجندي.
تصوير: مصطفى الجندي

غرفة انتظار للنساء

في كراج زهرة غرفة انتظار مقسمة للرجال والنساء، مشيرة إلى رغبتها بتعليم السيدات من خبرتها، مضيفة تكفي 5 زيارات للصيانة حتى تتعلم السيدة معاملة سيارتها بشكل جيد، أقسام السيارة وكيفية الاحتراق في المحرك وكيف يتصرفن في مواقف معينة،. تفضل زهرة التعامل المهني مع الرجال عن النساء، لأنهن لا يعرفن ما مشكلة سياراتهن، وغالبا ما يسألن أزواجهن هل ما تقول هذه السيدة صحيح.

سلطان الطريق

نالت معصومة سلطان بلاغي والدة زهرة لقب سلطان الطريق عن محافظ طهران لقيادتها الحكيمة طيلة أربعة سنوات دون مخالفات. زهرة تكلمها يومياً منذ قدومها إلى الإمارات، وتقول أنا أدين لها بكل شيء، وقريباً سأدعوها لتقيم معنا وتترك العمل. ومن الاسمين نال كراج تصليح السيارات الذي تديره زهرة في منطقة المصفح الصناعية بأبوظبي اسمه. الاسم الأول لزهرة والثانية لقب الوالدة.

5 آلاف تومان

“عندما كنت أعمل في ورشتي بإيران دخل أحد أفراد الحرس الثوري المعروفين بتشددهم، وحاولت الاختباء منه –خوفا منه ان يكون رافضاً لعمل المرأة- إلا أنه لمحني وطلب مني تصليح العطل وكان بسيطاً جداً ويكلف ألف تومان، إلا أنه أعطاني خمسة آلاف تومان، وقال لي سأحضر كل الشباب العاطلين عن العمل ليتفرجوا على جهدك الكبير وتفانيك في العمل”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s