أحمد راشد ثاني: “عشتُ للموت”

وصف الراحل مرحلة النهايات بحالة برودة مستمرّة، لا ينفع معها إيقاف مكيّفات، ولا تعرّض لأشعة الشمس، ولا تدثر بأغطية سميكة

صورة

مع أنّه لم يكن قد تجاوز الخمسين، إلا أنّه راح يكتب بنَفَس الشيخ الذي وصل إلى السنّ الذي ينفتح فيه المرء على احتمال الموت دون تحفّظات، بعد أن أدرك تماماً أنّ الموت “لا يردّ على أحد”.

كان هاجس الموت هو السيّد في روح أحمد راشد ثاني، وفكره حين قرّر أن يكتب (ورقة سرير)، فقد رأى “الموت عن كثب وهو يحمل المجرفة، ويحصد من هذا البستان” وشعر بدنوّه منه، مستحضراً أصدقاء عزيزين سبقوه إلى ذلك القدر.

وكأنّه أراد من خلال هذا الكتاب أن يقول إنّها من الأوراق الأخيرة التي يكتبها المطروح في فراش الاحتضار، حيث تتكئ الأحاديث عادةً على صيغة الماضي لأنّ الإنسان في تلك اللحظات يكون في حالة استعادة ما فات، واستحضار ذكريات لا توقفها إلا تلك اللحظة التي تضع نقطة الختام، وتُلحقها يدُ القدر بكلمة: “تمّت”.

نعم، في النهاية لا بدّ لكلّ حياة أن تتمّ، لكن وقبل ذلك، لا بدّ للإنسان أن يمرّ في مرحلة النهائيات، التي وصفها أحمد راشد ثاني وصفاً عميقاً حين عبّر عنها بحالة برودة مستمرّة، لا ينفع معها إيقاف مكيّفات، ولا تعرّض لأشعة الشمس، ولا تدثر بأغطية سميكة.. ليصل إلى نتيجة تقول: “وكأنّ البرودة شوكة، ولكنّها شوكة في الذهن”. وما تلك البرودة إلا الإحساس بدنو الموت بعد أن تمكّن المرض من جسده، وأدّى ذلك إلى شيخوخة روحه.

وهكذا، رحل أحمد راشد ثاني بعد أن أشبع مرحلة النهائيات وصفاً، فبدا جليّاً من نصوص كتبها خلال صراعاته مع المرض أنّه كان يتعامل مع الموت من باب الندّيّة لا الاستسلام، ومن باب وعي بطبيعة الوجود الإنساني الذي وصفه الفيلسوف هيدجر بأنه “وجود للموت”، بمعنى أنّ الإنسان وُجِد ليموت.

خلال إقامته في المستشفى، التقط الكاتب الراحل تفاصيل دقيقة من عالم الموت، وسردها برؤية الكاتب الذي تضاعف إحساسه بالأشياء نتيجة المرض، فالكاتب أساساً يتمتّع بحسّ مختلف في تلقّي المحيط، فكيف به إذا ما دخل في صراع مصيري مع مرض يراه يفتك بجسده وروحه.

لقد ظلّت سطوره تلك وثائق تضمّ هواجسه، وآلامه التي اختار أن يتعامل معها بالكلمة، أثمن ما يملكه كاتب شاء قدره أن تكون طريقة وضع نقطة لحياته على هذا النحو. وهذا أجمل ما قد يتركه الإنسان ويرحل مطمئناً إلى جمال ما تركه.

وبالتأكيد إنّ أيّ تحليل، أو كلام عن النصوص التي كتبها في تلك المرحلة لن يكون معبّراً عنها، مثلما ستفعل القراءة المباشرة.

فيما يلي مقتطفات من نصوص نشرها في الصحافة المحلية خلال العامين الماضيين.

من نص (البكاء والمنافق وبطل الآكشن)

إنَّ العدّادة هُنا، تكون مشهورة بين النجوع، ومميزة بين قريناتها ومنافساتها، والأغلى أجراً كلما كانت أكثر قدرة على اللطم، والأوفر في مخزون الدموع، والأهم، كلما استطاعت أن يكون بكاؤها (رغم عدم معرفتها للميت، وربما اهتمامها بموته أساساً) صادقاً، وإن لم يكن فأقرب إلى الصدق.

من نص (ليل الحديقة) 

أعود إلى غرفة المريض، السرير شاغر بانتظاري، والأنابيب، أقيد جسدي بالأنابيب، الساعة تجاوزت الرابعة، هل أغفو قليلاً؟ أضع أجفاني على عينيّ كي يهدأ احمرار السهر.

بعد قليل ستأتي الممرضة تدفع عربتها كي تسحب الدم، هل غفوت فعلاً حتى هلعت من دبيب دخولها، ووقفتها الصارمة على حياة سريري.

تسحب وتخرج، تسحبني أنا الآخر إغفاءة أخرى، حتى تعود الممرضة من جديد وهي تحملُ أدوية الصباح، بعد ذلك سيستيقظ المستشفى، سيأتي عمال النظافة، وعامل المطعم، والدكتور..

يوم آخر سيبدأ في هذا المكان المقلق، ولاشيء باق في الذاكرة من الأمس إلا تلك الاستيهامات التي تنفسها ليل الحديقة في الرأس الشاغر، أحلام اليقظة المتقطعة والواهنة، وهي تحاول في كل مرة الالتماع في موقد الروح المغطى بالرماد. وفي الحقيقة لايوجد حقيقي في هذا العالم إلا هذه الآلة السحرية والمدهشة والمسماة الجسد. فيها السماوات والأرض، الجلال والجمال، قارب الخيال الأزرق وصحن الرغبة الدبق.

من نص (غرفة المستشفى)

في غرفة المستشفى لا تستيقظ على راحتك، وإنما تُستيقظ، توقظك ممرضة أخذ عينة الدم، وتوقظك الممرضة للتأكد من تحليل نبضات القلب، وتوقظك لمتابعة حالة تنفسك.

يوقظك عامل الطعام وعامل النظافة والطبيب والممرض الذي سيأخذك إلى الفحص، ولن تذهب في غرفة المستشفى إلى المطبخ كي تعد لك فنجاناً من القهوة، فالمستشفى لا يحب القهوة، ولا يحب الملح، ولا يحبذ الاختيار، كما أنك بالتأكيد لن تستحم وتغير ملابسك كي تذهب للعمل، لن تعمل، ولن تثرثر مع زملائك في العمل، ويبدو مشهداً من العالم الافتراضي أن تتردد بين العودة إلى البيت في الظهيرة أو الذهاب للقاء صديقتك الفرنسية التي وصلت بالأمس من باريس كي تقدم “بيرفورمانس” على شاطئ إحدى الإمارات بدعوة من دائرة الثقافة هناك. وستتحدثان بالطبع عن الفن والجمهور والعرض ـ سيمياء العرض ـ والرمال النقية للشواطئ هنا، تلك التي لطالما تدحرجت عليها طفولتك.

لا يحدث ذلك في غرفة المستشفى، ومن المرضى قد لا يحدث ذلك حتى كحلم يقظة، فصباح المستشفى صباح بائر، مليء بالإبر والأدوية وغفوات المرضى وابتسامات الممرضات المشفقة وكآبة النوافذ.

قيل لي

عشتُ للموتِ• يكادُ الماءُ يعرفُنِي، والبعوضةُ تضرب بيَ الأمثالَ، ومنذ أن سَقَطَتِ السماءُ في رأسِي وأنا أمشي كظلٍّ في طريقِ المقبرةِ الملئ بِصراخِ الأشجارِ، وحشرجةِ الموجِ، ونحيبِ الأحجار•

ولم أسمع إلا ما يراني• وكدتُ يوماً أغرق في قطرة جعة• وناداني في الطابَقِ الألف صوتٌ قيل لي إنّه هو• فسمعت.

حتى لَوْ رأيتُ ، ماذا بإمكانِ هرٍّ مثلي أن يَفعلَ • ولم أقلْ ذلكَ لأحدٍ• كأنني لم أكن هِرّاً من قبلُ، أو كأنهمْ•

مَنْ هُمْ؟•

مقتطفات من فصل فاطمة راشد عبود في (ورقة السرير )

ماذا يفعل الإنسان لو ماتت أمه؟. هل يتألم ويبكي كما يحدث أحياناً عندما يفاجئه موت أحد أصدقائه الأعزاء أو أبوه؟. أليس موت الأم (فراقاً) مختلفاً؟

ولكنها أيضاً ستموت كما مات وسيموت الجميع. إنه الموت يا صديقي. الموت الذي زارني هذه السنة أكثر من مرة وأخذ معه رفاقاً وأصدقاء عدة وذهب. هل يريد الموت أن يقول لي شيئاً؟. لا مانع عندي. أنا مستعد للجلوس والتحدث معه كما يريد. عن ماذا يريد أن يتحدث مثلاً؟ عن الحياة؟. الحياة جميلة جداً أيها الموت. عن الطبيعة التي تموت وتحيا كل يوم، بل كل لحظة، بل كل ثانية؟. عن روحي التي تموت أبداً؟ عني أنا الذي هربت من الموت فوجدتني أبحث عنه في كل نظرة، أحياناً اجده مختبئاً تحت طاولتي يقرأ المستقبل، أحياناً أجده ضاحكاً في المرآة أو ظلاً على حائط الآخرين، أو ديكًا على جدران العمر، أو القمر الأسود في العين.

مقتطفات من نص (العيش في المستشفى)

قدم الطبيب، واستضفت هذه المرة أيضاً في إحدى غرف المستشفى، لقد حدث معي ذلك من قبل عدة مرات تكاد تتجاوز الآن الست، وربما كانت هذه هي المرة السابعة إذا لم تكن تُمارس على ذاكرتي خياناتها المعتادة، فقبل سبع سنوات تقريباً اكتشفت زوجتي انتفاخ قدمي، وكنت أيامها لا أنام جيداً ولا آكل جيداً ولا أشرب جيداً، وحتى حينما لاحظت اكتشاف زوجتي قللت من أهميته، فذلك بالتأكيد ناتج عن جلوسي الطويل على الكراسي، لكني سأذهب إلى المستشفى، أنا لا أحب المستشفيات، ولكني سأذهب على أية حال، وحين ذهبت، ورأى الطبيب حالتي قرر استضافتي وفوراً، وفي إحدى غرف العناية المركزة، وحين سألت عن سر كل هذا الانشغال بمجرد انتفاخ قدم قيل لي ولأول مرة بأنني مصاب بمرض قلبي يدعى القصور، وأن من سماته وعوارضه كذا وكذا، وإلى آخر كل تلك التحليلات التي سأكتشف لاحقاً بأنها ستنمو، حتى أن المرض نفسه سيأخذ في تفكيري شكل الشخصية، وأُعامله مع السنوات كرفيق.

***

حين استفقت في إحدى غرف هذا المستشفى، كانت تلك هي المرة الأولى التي أقضي فيها ليل وأنام أو حتى لا أنام، في إحدى غرف مستشفى، فعمري لم أدخل مستشفى إلا لمعالجة سريعة، وهذه هي المرة الأولى التي أسكنه، وأسكن فيه.

ومنذ تلك المرة تعددت المرات، ولا أدري هل ذلك يعود للسن الذي وصلته، أم أن المستشفى كمياه النيل من شربها مرة، كما يقال، يحدث ويشربها باستمرار.

ولقد امتدت الفترات التي سكنت فيها المستشفى (أو هذا المستشفى بالتحديد، إذ أنني لم أتعامل مع مستشفى غيره)، من شهر ونصف أحياناً، وتلك أطول فترة، إلى ثلاثة أيام، وسواء امتدت الفترة أو قلّت فإنني كنت أتعامل مع نفسي، وكأنني في سفر ما، رحلة أجبرتني الظروف على القيام بها، وعليَّ التحلي بأخلاق الرحّالة، إذ ليس سيئاً كلياً العيش في مستشفى، السيء أن لا تستطيع العيش فيه، ألا يمكنك هو كمستشفى من التواطؤ مع العيش، أو ألا يمكنك قلقك على الحياة، أو تعتقد بأن العيش كمريض في المستشفى أقرب إلى اللاعيش، وهذه حقيقة، ولكن كيف بإمكانك تقبلها كي تعيش في مستشفى.

سقراط لم يمت، سقراط يتلألأ في عين السؤال.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s