الحبـيـب الـسالـمــي: هويتي معقدة ومتحركة على الدوام

 الآني حاضر بقوة في رواياته ولا يكتسب معناه  العميق إلا من خلال ما سبقه ومن خلال ما سيتلوه

صورة

 يرى الروائي التونسي الحبيب السالمي أن البعد عن المكان في عملية كتابة الرواية يسمح برؤية أفضل للمكان والتقاط التفاصيل بشكل افضل، لكنه يحذر في الوقت نفسه من النوستالجيا والحنين المرضي لاستعادة المكان البعيد المفقود. العزلة برأيه شرط لكتابة النص الأدبي، ويقصد هنا الكتابة الفعلية، لكن هذه الكتابة الفعلية  تمهد لها كتابة في الذهن وهي لا تقل أهمية عن الكتابة الفعلية. ويعتبر أن الكاتب لا يتوقف عن التفكير في نصه حتى وإن كان وسط جمع من الناس أوفي المقهى أو في الباص أو في القطار. يكتب الحبيب السالمي ببطء خشية السقوط في فخ السهولة. وخلال أربعة أيام في الأسبوع، على مدى أربعة ساعات، صباحاً فقط، فيما يخصص بعد الظهر والليل للتجول والمطالعة. ويعتبر أن أغلب الروايات العربية  تستمد أحداثها من الواقع  الذي نعيشه  حاليا أي  أنها منغمسة في الحاضر و مسكونة بهمومه و إشكالياته. أما الآني في رواياته فهو حاضر بقوة في كل ما كتب، لكن هذا الآني له امتدادات متشعبة لأن الحاضر لا دلالة  حقيقية له خارج خط  الزمن المتواصل. وعن هويته يقول هي هوية غير ثابتة وغير أحادية. إنها هوية  معقدة و مركبة و متحركة على الدوام.  “أرى” حاورت الروائي الحبيب السالمي الذي يصل القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية للمرة الثانية بعد روايته (روائح ماري كلير) الصادرة عن دار الآداب أيضاً.

 هل يؤثر مكان كتابة الرواية على الرواية و أحداثها بشكل عام؟

 ــ إذا كان مكان كتابة الرواية هو المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية فلا أظن أن هذا يؤثر بشكل واضح على طبيعة العمل الروائي. أما إذا كان هناك اختلاف بين المكانين أي إذا كنت تكتب عن مكان بعيد عنك فهذا التباعد سيساعدك بالتأكيد على أن ترى  ذلك المكان وكل ما يحدث  فيه بشكل مغاير، أي باستطاعتك أن تلتقط أمورا و ترى أشياء ليس بإمكانك أن تراها لو كنت مقيما في ذلك المكان.  لكن على الكاتب  أن يظل حذرا فالتباعد  قد يدفع إلى الوقوع  في أخطاء  تسييء إلى العمل الروائي مثل المبالغة و التهويل أو عكس ذلك  أي عدم  إيلاء بعض الأمور الأهمية التي تستحقها. وهناك أيضا فخ الوقوع في النوستالجيا والحنين المرضي وهذا ينطبق على الروايات التي تسعى إلى استعادة الزمن الضائع  أو المكان البعيد المفقود. والنوستالجيا تحسّـن وتجمّـل خلافا للذاكرة التي تعدّل وتغيّر لكنها تبقي على جوهر الأشياء.

 ما هي  طقوس الكتابة لديك؟  هل تتطلب  الرواية العزلة  والتفرغ الكامل أم يمكن التنويع على ايقاعات التواصل مع الرواية؟

 ــ كتابة أي نص أدبي سواء كان رواية أو قصة قصيرة أو قصيدة  تتطلب في تقديري العزلة. أغلب المبدعين يقولون هذا. وطبعا أنا أتحدث هنا عن الكتابة الفعلية. لكن هذه الكتابة الفعلية  تمهد لها كتابة في الذهن وهي لا تقل أهمية عن الكتابة الفعلية. الكاتب لا يتوقف عن التفكير في نصه حتى وإن كان وسط جمع من الناس أوفي المقهى أو في الباص أو في القطار.

 وأحيانا  يجد حلولا لبعض المشكلات التي يواجهها أثناء عملية الكتابة عندما لا يكون وحيدا أمام بياض الورقة أو شاشة الكمبيوتر. أما عن طقوس الكتابة  لدي فأنا لا أكتب كل يوم  وهو ما أتمناه وإنما خلال أربعة أيام في الأسبوع. الأيام  الأخرى أشتغل فيها. أكتب في الصباح. ولا أكتب أبدا بعد الظهر أو في الليل. أخصص هذا الوقت للتجول وللمطالعة. وفي اليوم لا أكتب أكثر من أربع ساعات.

 أكتب أيضا  ببطء لأني أخشى أن أسقط في فخ السهولة. أفكر كثيرا أثناء عملية الكتابة. في العادة لا أدخل تغييرات كثيرة على ما كنت  كتبته لأني لا أشرع  في كتابة  الفصل الجديد إلا عندما أكون راضيا إلى حد بعيد عن الفصل الذي انتهيت من كتابته. عندما أنهي الرواية لا أرسلها إلى دار النشر و إنما أتركها جانبا و أشرع في بداية رواية أخرى. و بعد فترة طويلة نسبيا أعود إلى الرواية التي أكملتها وأقرأها كلها بتمعن. هكذا أستطيع أن أرى ما يمكن أن تكون فيها من عيوب .

 ماذا يقدم الفوز بجائزة بوكر إلى رصيك الأدبي؟

 ــ  الفوز بالبوكر يمثل تقديرا لما كتبت .

ما سر الشغف بالرواية المستقاة من أحداث تاريخية هل هو بمثابة إفساح المجال لخيال القارىء في تصور أحداث ماضية واقعا روائيا أو استعارة حدث تخييلي من واقع الماضي يقدم بصورة روائية لإبن الحاضر؟

 ــ الرواية المستقاة من أحداث تاريخية تشكل تيارا مهما في الرواية العربية. وقد ساهم هذا التيار إلى جانب التيارات الأخرى في تطوير الرواية العربية وإثرائها. برز هذا التيار منذ عدة عقود ولذلك فإن الروائيين الذين يندرجون فيه ينتمون إلى أجيال مختلفة، و هذا جعل الرواية المستقاة من أحداث تاريخية رواية متنوعة في مناخاتها وتقنياتها و أساليبها.

 إلا أنني لا أعتقد أن هناك  شغفا  بهذه  الرواية. هناك روائيون كثيرون  بل يمكن القول إن الغالبية من الروائيين العرب لا يكتبون هذا النوع من الرواية. فأغلب الروايات العربية  تستمد أحداثها من الواقع  الذي نعيشه  حاليا أي  أنها منغمسة في الحاضر و مسكونة بهمومه و إشكالياته .

 كيف يمكن الحديث عن تأثير الآني على الرواية العربية و تحديدا في روايتك التي وصلت إلى القائمة القصيرة؟

 ــ الآني حاضر بقوة ليس في روايتي “نساء البساتين” وإنما في كل رواياتي. لكن هذا الآني له امتدادات متشعبة لأن الحاضر لا دلالة  حقيقية له خارج خط  الزمن المتواصل . الحاضر لا يكتسب معناه  العميق إلا من خلال ما سبقه أي الماضي ومن خلال ما سيتلوه  أي المستقبل. وبعض الفلاسفة يعتقد أن الحاضر كزمن لا وجود له أصلا إذ أنه لا يكاد يحضر حتى يتحول

إلى ماض .

ما هي الروايات التي أثرت و ساهمت في تقديم هذه الرواية من أبرز المراجع أو الروايات التي زادت على شغف السرد لديك فيها؟

 ــ ليس هناك أي رواية أثرت و ساهمت في تقديم هذه الرواية. “نساء البساتين” هي روايتي الثامنة  وهي مستوحاة  من واقع تونس  في الأعوام الأخيرة. إنها رواية عن  هشاشة المجتمع التونسي و ارتباكاته و تناقضاته  وعن الدمار الأخلاقي و السياسي والاجتماعي الذي لحق بالبلد في العقدين الأخيرين.

 صراع الهويات المتعددة يطغى على الروايات التي وصلت للقائمة القصيرة لبوكر هل  تبرز إشكالية الهوية  دون غيرها في هذا الوقت و كيف تعرف شخصيا عن هويتك؟

 إشكالية الهوية لا تختلف  في تقديري عن أية  واحدة من الإشكاليات  الأخرى التي تواجه  مجتمعاتنا العربية. أما هويتي كما أعيها فهي هوية غير ثابتة وغير أحادية . إنها هوية  معقدة و مركبة و متحركة على الدوام .

نساء البساتين

رواية تقارب عالم أسرة متواضعة في أحد أحياء مدينة تونس وهي تتدبر أمر عيشها اليومي. من هذا العالم الصغير الذي تمتلك فيه المرأة حضورا قويا تنفتح الرواية على عالم أكثر رحابة تتجلى فيه تناقضات الذات التونسية وهشاشتها وشروخها في مجتمع يتأرجح بين تقاليد دينية ثقيلة وحداثة مربكة.

من هو؟

 الحبيب السالمي من مواليد قرية العلا في تونس عام 1951. أصدر أربع روايات ومجموعتين قصصيتين وتُرجم عدد من قصصه إلى الإنكليزية والنرويجية والعبرية والفرنسية. نُشرت روايته الاولى “جبل العنز” بالفرنسية عام 1999. نُقلت روايته “عشّاق بيه” من العربية إلى الفرنسية ونُشرت عام 2003 ونُشر جزء منها في مجلة “بانيبال” البريطانية (رقم 18). الحبيب السالمي مقيم في باريس منذ سنة 1985. كانت روايته “روائح ماري كلير” ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009 وصدرت بالإنجليزية عن دار كتب آرابيا هذه السنة.

صدر له:

“جبل العنز” (1988).

قال عنها جبرا ابراهيم جبرا: في الرواية سواد يكاد لا ينجلي ولو للحظة واحدة، وحتى “الحفلة الكبيرة” تعجز عن إثارة أي فرح في أحد كأنها جنازة مسبقة لأهل القرية وإسماعيلها، حيث تبرز فخذا الراقصة الصفراء الشعر أشبه “بفخذي كلبة هزيلة…”. رهيب ومأتمي ومتميز.

“عشّاق بيه” (2001).

 أربعة شيوخ مسنين يبدون مثل أطفال، لكنهم يقدّمون عالماً يفصح عن كل ما يعرّي الشيوخ المسنين من مشاعر لا يحبون الإفصاح عنها، كغروب حياتهم الجنسية. مثول الموت في هيئتهم. أربعة شيوخ مسنين، يعشق اثنان منهم المرأة نفسها التي سيتزوجها فيما بعد ابن أحدهما.

“أسرار عبد الله” (2004).

تدخل الرواية في عمق المجتمع التونسي وإنسانه، متخيرة لحظات ضعفه ولحظات قوته. مسلطة الأضواء على أمراض المجتمع وأمراض الفرد النفسية. سرديات تنساب بتلقائية يسرح مع خيالاته القارئ متخذاً منها مشاهد يعيش داخلها ومعها.

“روائح ماري كلير” (2009)

تلتقط التفاصيل الصغيرة التي تصنع، بتراكمها، العيش اليومي بكلّ أصالته و حقيقته: من الفطور الصباحي و العادات الشخصية المبتذلة، حتى رغبات الجسد وغرائزه وانفعالاته، تتقابل حضارتان و تصطدمان.

صورة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s