سهير بن عمارة: (ما نموتش) إلا في تونس

يصعب الفصل بين الناشطة المدنية والممثلة اللافتة، في فيلمها السينمائي الطويل الثاني تصارع ذاتها وصولاً إلى تونس الحلم.

suherr

تعتبر الفنانة التونسية الشابة سهير بن عمارة نفسها محظوظة مقارنة بأبناء جيلها. وجودها الدائم منذ تخرجت من معهد السينما في تونس في أعمال درامية تونسية أثبت حضورها على الساحة المحلية. هي أيضاً ملتصقة بالهم الحياتي اليومي للشباب، وكانت من المحتجين على نظام ابن علي ونزلت الساحات والشوارع للمطالبة بالحرية، لكنها ترى بعد ما يقرب عامين من الثورة أن خيبة الأمل رافقت الشباب التونسي مع سرقة الثورة، وتغير المطالبات التي نزل الكثير من الشباب للمطالبة بها، ووجدت كما غيرها من الشباب أن مسار الثورة تغير، معتبرة أن التغيير الحاصل في تونس يمثل استبدالاً لنظام الحزب الواحد بحزب آخر من نوع مختلف.

رحلتها العربية الأولى كانت مع المخرج التونسي رضا الباهي في فيلمه (ديما براندو) الذي عرض العام الماضي في مهرجان أبوظبي السينمائي، لكنها عادت هذا العام في عمل جديد مع نوري بو زيد المخرج اللافت والمثير للجدل والذي حصل مؤخراً على جائزة أفضل مخرج في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان أبوظبي السينمائي 2012. جسدت سهير في فيلم (ما نموتش) دور عائشة المليئة بالصراعات الداخلية، والتي تنتصر في النهاية للدولة المدنية تونس. على هامش مهرجان أبوظبي السينمائي 2012 التقت “أرى” الفنانة التونسية الشابة سهير بن عمارة وكان هذا الحوار.

 إلى أي درجة أخذك نص نوري بو زيد؟

قبل التصوير بفترة لم أكن سهير، كنت عائشة. عشت الدور واستوعبته في داخلي وعند التصوير بدأت انفعالات الشخصية تخرج وحدها. بعدما تخليتها كثيراً، كيف تمشي، كيف تجلس، وكيف تتحرك.

لو عرض عليك دور زينب الذي أدته الممثلة الشابة (نور مزوي) هل كنت ستقبلينه؟

منذ البداية كان الاتفاق مع نوري بو زيد أن ألعب دور عائشة، وكنت أولى خيارات المخرج نوري بو زيد، وبعد ذلك جاءت نور (زينب) ثم بحرام علوي واكتمل الفريق شيئاً فشيئاً. لكن بالنسبة لي شخصياً فأنا أحب الشخصيات المركبة، وخصوصاً البعيدة عني بعداً تاماً. شخصية زينب التي تمثلها نور تشبهني في حياتي اليومية، ولو صار معي ما صار مع زينب في الفيلم لأصابتني العوارض نفسها وسأمرض فعلاً وأرفض بهذه الدرجة من القوة، أي كان بالنسبة لي شيئاً نوعاً ما سهل تمثيلها، بينما عائشة بعيدة جداً عني، وشخصية متناقضة ومركبة، ويسيطر عليها الخوف، لذا كان تجسديها نوعاً من التحدي.

كيف تحضرين لشخصية مركبة من هذا النوع؟

من حسن حظي أني عملت مع نوري بو زيد لأنه من المخرجين الذين يحبون الممثل، مقابل أنا بعض المخرجين التي تقمع الممثل، وهذا ما ساعدني على بحث الشخصية مع نوري، وساهم الحوار العميق معه على إغنائها حتى وصلنا إلى الشخصية التي شاهدتموها على الشاشة.

ما هي بصمتك الخاصة على شخصية زينب؟

برأيي، يجب على كل ممثل أن تكون لديه حياة ثرية. أنا شخصية متسكعة، واكثر من الجلوس في المقاهي وحدي للاستماع إلى مونولوغ الشارع. أشاهد الناس سراً، كيف يتكلمون،  كيف يتحدثون. إضافة إلى الذاكرة الحسية للجسد والتي نعمل من خلالها  كما أنني أقرأ الكثير من علم النفس، وهذا كله يساعدني في بناء الشخصية.

 هل أثرت هذه الشخصية على حياتك اليومية، أم أنك تفصلين بين الممثل وسهير؟

أنا لا أفصل ولا أغرق بالشخصية. أعرف كيف أضع الحدود، وكيف أدخل وكيف أخرج، وفي هذا اشتغالي على ذاتي.

 لو طلبن منك تقديم نهاية مختلفة ما هي الرؤية التي كنت ستقدمينها؟

تصمت لوهلة وتقول: لم أفكر في هذا قبلاً، لكن أظن النهاية بهذه الطريقة المفتوحة مناسبة جداً. أنا أرى النهاية من خلال عنوان الفيلم (ما نموتش)، والتي قدم من خلالها نوري بو زيد شخصية (عمو) الذي مات وترك الأكورديون مرمياً في الأرض، وأتصور أن نوري أراد من خلال النهاية أن يقول أن الفن (ما يموتش) حتى لو أراد البعض قتله، وكما قال درويش: “هزمتك يا موت الفنون جميعها”، وتكمل بلهجتها التونسية المحببة: “المجتمع يفرض حاجات والسياسة تفرض حاجات والفيلم أكبر دليل، نموت أنا والفيلم سيبقى موجوداً”.

 هل ترين هذا الفيلم محاولة لتوثيق الثورة التونسية من وجهة نظر نوري بوزيد؟  

من الصعب القول أن هذا توثيق.

 هل غادرت الرقابة تونس بعد الثورة؟

لا. تغير الشكل لكن المضمون لم يتغير. في البداية كانت الرقابة سياسية وصارت الآن رقابة دينية وما زلنا بين الأخذ والرد. الأمور غير واضحة مع الموجودين في السلطة حالياً، والأمر غير واضح حتى الآن في تونس.

 من قدمك للتلفزيون؟

الحكاية بدأت بالحظ. سمعت أن هنالك كاستينغ مع مخرج شاب جديد، وقدمت نفسي في آخر أيام اختيار الممثلين، ولما شاهدني المخرج سامي الفهري قال لي أن الكاميرا تحب وجهي وظهرت في دور ثانوي لكنه نجح، ووقتها عرفني الجمهور التونسي جداً في أول ظهور تلفزيوني بمسلسل (مكتوب)، ووقتها شاهدني نوري عام 2007 وأخبرني برغبته في العمل معي، لكن وقتها لم يكن لديه مشروع جاهز.

بعدها لعبت دور بطولة في مسلسل (عاشق السراب)، ثم لعبت دور البطولة في مسلسل (مليحة)، ثم ذهبت للكوميديا وقدمت السيت كوم الكوميدية (طاولة وكراسي) ولعبت دور شرطية ما بعد الثورة، ثم عملت مع رضا الباهي في فيلم ديما براندو.

 أين تجدين نفسك في أي مجال الدراما أو الكوميديا؟

لا يوجد ممثل في مجال واحد، لكني من باب التجربة قدمت الكوميديا، لكني أجد نفسي أكثر في التراجيديا، لقدرتي على تقديم الانفعالات بشكل كبير.

 على سيرة التجارب كنت مقدمة برنامج أيضاً؟

نعم قدمت برنامج اجتماعي عنوانه “عندي ما نقلك” على التلفزة التونسية عام 2008، وكان من التجارب الجميلة جداً.

 بداياتك كانت لافتة بالنسبة لتونس؟

الحمد لله كل عام عندي أكثر من عمل مميز، ولو قارنت هذا بالإنتاج في تونس تجد أني من الممثلات اللاتي تملكن حظاً كبيراً، حيث كنت حاضرة في 5 مسلسلات، وفيلمين سينمائيين، و3 أشرطة سينمائية قصيرة.

 هل من مخرج مفضل ترغبين بالعمل معه؟

أكيد. هناك الكثير من المخرجين الذين أتمنى العمل تحت إدارتهم وأود أن يكون لدي تجارب كثيرة، إلا أن الشيء الوحيد الذي يدفعني للرفض أو القبول هو طبيعة الدور وما يقدمه لي. يغريني كثيراً دور لم أقدمه قبلاً، او أن يكون دوراً يستفز مشاعر جديدة لدي، فهذا هو الدور المفضل.

 لو عرض عليك دور صغير في فيلم لمخرج عربي كبير ودور بطولة مع مخرج تونسي أيها تختارين؟

“لا يوجد دور صغير أو دور كبير، يوجد ممثل كبير أو ممثل صغير” هكذا يقول ستانسلافسكي، وكل شخصية تقدمها تترك بصمتها لدى الجمهور، هكذا أرى الأدوار.

 هند صبري بدأت من السينما التونسية وانتقلت إلى مصر، لو عرض عليك هذا الأمر هل انت مستعدة للانتقال إلى مصر؟

لم أحسم موضوع الانتقال إلى مصر، وأقول ان موهبتي تدافع عني وتقدم لي الفرص. هند بدأت من السينما التونسية، وأتمنى أن يتم التعريف بي من هذا الباب، لكن لم لا. هند صبري تعجبني كفنانة وأحبها وهي امرأة ذكية جداً.

 تجربتك مع نوري بوزيد تأخرت من 2007 حتى 2011؟

في الواقع التقينا بعد بطولة مسلسلي التلفزيوني الأول وأخبرني أنه يرغب بالعمل معي، وحدثني عن فيلم اسمه (اسكت عيب) لكنه لم يحصل على الدعم. من بعده كتب (ما نموتش) الذي كان عنده اسم مختلفاً وقتها (1000 ورقة أو ميلفوي بالفرنسية) وأكملت معه التجربة.

 كان لك رأي في الجدل المثار حول ممثلات جريئات في السينما التونسية؟

من الواضح أن أفلام الخمسينات والستينات وحتى السبعينات كانت أكثر جرأة من الآن. في وقتنا الحالي مشهد قبلة على الخد تقيم الدنيا وتقعدها. من وجهة نظري أنا قمت بتفسير فكرة الجرأة بأنها من منظور فني بأنها صورة الجسد وليست الجسد، والممثلة لا تجسد شخصيتها الحقيقية، وأنا أقدر على تأدية دور الفتاة المحجبة أو دور فتاة الليل أو المجنونة، بينما سهير مختلفة وهذا يؤدي إلى تناقض بين الواقع والحياة ويعرض الممثلات لتهجمات الصحافة الصفراء والمجتمع.

 لكنك كنت جريئة في فيلم ديما براندو؟

لا أستطيع الحديث عن هذا بعد، كون الفيلم لم يعرض الفيلم في تونس، لكن برأيي لا يوجد ما أخجل منه، هناك لغة سينمائية حلوة وطريقة تصوير متميزة التي صنعت فرقاً بين مشهد جرئ وآخر، لكني كممثلة غير مستعدة لتعرية جسدي. أنا مع التبرير ضمن السياق الدرامي، وقبولي دوري في ديما براندو كان مشروطاً بتأثير المشهد على السيناريو، لأنه من المستحيل أن أقوم بالعري، في حين الإيحاء قادر على إيصال الرسالة بطريقة جيدة. أنا أيضاً فتاة من مجتمع عربي وعندي عائلة وأرغب أن تحضر عائلتي الفيلم دون شعور بالقلق من دوري.

كما أن ثقتي بالمخرج كان لها دور مهم في القبول، فأنا أرى أن جسدي يخصني، وهناك ممثلات أكثر جرأة وأقدم لهن التحية وأصفق لهن على جرأتهن كما ريم البنا وغيرها. أنا لا أستطيع.

 بين السينما والتلفزيون ماذا تختارين؟

أكيد السينما لأنها دراستي في الأساس.

 ألا يقلقك الهاجس المادي كون التلفزيون أكثر جدوى؟

أكيد يرغب الفنان أن يكون مرتاحاً ولا يفكر بمشاكله المادية، وفي تونس أكثر الممثلون يعانون، والأجور ليست مرتفعة والشغل ليس متوفراً دوماً.

وأين الاخراج -مجال دراستك- في مشاريعك القادمة؟

المسالة مسألة مراحل، ولم أرغب بالعمل كمساعدة مخرج، وفضلت أن أكون قدام الكاميرا حيث تعلمت “باااارشة برشة حاجات” تقولها بلهجتها التونسية، وتعلمت من المخرجين الذين عملت معهم كيفية العمل على نفسية الممثل وكيف يتم التعامل معهم، وكيف أفهم الممثل جيداً، لكن عندي مشروع شريط سينمائي قصير، وسأقوم بالعمل عليه في الفترة القريبة القادمة، ولدي مشروع الشريط السينمائي الطويل، وهذا من من طموحاتي التي يستحيل التنازل عنها.

 كيف انعكست الثورة عليك شخصياً، كسهير؟

أنا كنت من الذين شاركوا في الثورة، وخرجت في الشارع لكن بعد الانتخابات صار عندي احباط كبير جداً، وعندما أتذكر هذا تكاد الدموع تخرج من عيوني. ليس هذا ما طالبنا به في الشوارع، لم نطرح إشكالية مؤمنين أو كفار، نحن كلنا تونسيون وتحت سقف الوطن، لقد عشنا مسلمين كل عمرنا ولم يكن لدينا هذه التيارات، وحكام تونس الآن غرباء عن الشارع التونسي، ومسار الثورة ابتعد كثيراً عن مسارها المفترض.

كانت مطالبنا اجتماعية واقتصادية. كنا نتحدث عن الفقر والتهميش وعن الكثيرين الذين يعانون للحياة الكريمة في تونس، وكنا نطالب بالمساواة والكرامة وحرية التعبير وحرية الصحافة، وسيادة القانون، وتحرير الوزارات السيادية، لكننا وجدانا أنفسنا في وضع آخر، ومواضيع غريبة يتم طرحها.

لكن الحمد لله لا زال ثمة مقاومة ضد توجهات الحكومة خصوصاً في المناطق الداخلية خصوصاً بعد عامين من قيام الثورة واختطافها، لكن بعد عام في الحكم لا يوجد ثمة بصيص نور، والكل مشغول بالمناصب. يبدو أننا رجعنا للحزب الواحد والحكم الواحد والديكتاتورية بشكل آخر.

 بين بن علي والوضع الحالي التونسي أيهما تختارين؟

لن أختار أياً منهما، لكني حقيقة لا أدري ان كنا عشنا حلماً او كذبة.

 هل كانت الثورة كذبة؟

اليوم بعد عامين تفهم أن الحكاية لم تكن حدودها داخل تونس فقط، وبعد انتشارها في العالم العربي ستجد أنها مرتبطة بالسياسة الدولية، وتدخل دول كبرى، وثمة الكثير من النظريات التي تقول أن هنالك مؤامرة، وما يحدث في تونس ليس وليد الحراك التونسي فقط، رغم أني لا أحب ولا أؤمن بنظرية المؤامرة، لكني مع مقولة أن الشعب لو أردا فمصيره بيده.

 وأين الشعب في تونس؟

الحالة التونسية مزرية اقتصادياً، ونسبة الفقر والبطالة زادت كثيراً، ومشاكل تخلخل الهوية والانتماء للوطن، جعل الكثير يشككون في هويتهم وصار السؤال هل أنت اسلامي أو عروبي أو تونسي. أنا أفضل أنا تونسية ونقطة.

 لكن الوضع في تونس لا يزال مختلفاً عن غيرها من الدول العربية، وهناك أمور غير مسبوقة في تونس مقابل غيرها من الدول العربي؟

كنا في الشوارع على هذا الأساس، وكثير من الناس نزلت بصدق وأنا واحدة من الناس التي لم تكن تعاني –على الصعيد الشخصي-لكنها قضية ومبدأ ولا بد لكل حر أن يدافع عنه لأننا جميعاً كنا متضررين بصورة أو بأخرى.

 ما انعكاس هذا كله على الفن والثقافة؟

الفن في عهد ابن علي كان مهمشاً. وكانت العمل الفني فعل مقاومة مدنية. أستغرب الهجوم على فيلم مثل (برسيبوليس) عند عرضه على قناة تلفزيونية تونسية، رغم أن الفيلم تم عرضه في آلات السينما، ولم يحرك أحد ساكناً وقتها. المشكلة الآن أن مطالب الثورة تم اختصارها بحيث لا تقدم لنا شيئاً، بالعكس تؤخر المطالب بالحرية وحرية الرأي والعمل السياسي والتعبير الفني.

 هل تشعرين بالألم؟

جداً، لأننا حلمنا وعشنا في الحلم كثيراً. لكننا عشنا بعدها حالة إحباط، وعلى الصعيد الشخصي أكثر من 60% من أصدقائي سافروا بعد الثورة، إلى الإمارات وكندا وامريكا وهم من أصحاب العقل المنفتح.

 رغم كل هذا الإحباط هل من مشاريع للسفر والاستقرار خارج تونس؟

لا.

صورة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s