الزنبق: زهرة الثروة

 قصة زهرة صارت تعويذة حماية في الحروب ونافست المعادن الثمينة وارتبط اسمها بهولندا.

 صورة

ما الذي يربط بين هولندا والزنبق؟ ولماذا ارتبط الزنبق بهولندا؟. هذا أول ما يخطر في بالك عندما يقع بين يديك كتاب «الولع بالزنبق» الصادر عن دار كلمة –أبوظبي بترجمة د. محمد عبد القادر ومن تأليف مايك داش. إلا ان المؤرخ البريطاني يذهب أبعد من سؤال يخطر في بال غير المهتمين، ويوثق لمسيرة الزهرة الشهيرة. ويورد المكانة الدينية الهامة التي كانت تتمتع بها هذه الزهرة في عهد العثمانيين حتى اعتبرها البساتنة عوناً لأرواحهم على الارتقاء للفردوس. كما يورد داش في فصله الأول أن الزنبق نافس المعادن الثمينة بقوة، ترى ما كان سر الزنبق حتى وصل إلى هذه المكانة الرفيعة؟.

 الزنبق الثروة

تمتع تجار هولندا المتخصصون بالثراء، كما أقرانهم الذين تاجروا بالخشب والتوابل والحبوب، ويورد مثالاً عن حجم الثراء وقتها مقارنة بتجارة الزنبق، “كان أكثر الناس ثراء في الاقاليم المتحدة يملك نحو أربعمائة ألف جيلدر .. غير أن بعض تجار الزنبق كانوا يشترون ويبيعون الوردة الواحدة بمئات وآلاف الجيلدرات، وحتى بالآلاف، ويكدسون جراء ذلك ثروات ورقية تقدر بأربعين ألفاً، أو ستين ألف جيلدر في غضون سنة واحدة أو سنتين”، وبعد مزاد تم إجراؤه على أبصال زنبق في “ألكمار” في الخامس من شباط 1637 “أصبحت تشكل خطراً على مكانة المعادن الثمينة التي أولع الناس بها أكثر من اي شيء آخر”.

 وديان تيان شان

“لم تكن هولندا موطن زهرة الزنبق، بل هي زهرة من زهور الشرق. هي طفلة البراري في آسيا الوسطى … ولم تبلغ الأقاليم المتحدة إلا عام 1570. وقبل هذا التاريخ كانت قد بدأت رحلتها لمئات السنين من موطنها الأصلي في السلاسل الجبلية الممتدة في شمال الهيمالايا”. في تلك المنطقة ينمو اكثر من 120 نوعاً من الزنبق، إذ بمقدور الزنبق النمو “في مناطق صخرية، وأن يحيا شتاء تحت غطاء من الثلوج”. ومن هنا غدت هذه الزهرة أكثر جمالاً إذا ما قورنت بالطبيعة الكئيبة المحيطة بها، فيما رآها البدو الأتراك الذين قطنوا السهوب الآسيوية تمثل “أولى بشائر الربيع القادم”.

 رمز الحب الخالد

تمثل زهرة الزنبق رمزاً فارساً أثيراً للحب الخالد، حيث تروي واحدة من الأساطير قصة أمير “يدعى فرهد كان مولهاً بفتاة اسمها شيرين. وذات يوم ورد إلى مسامعه نبأ (تبين فيما بعد أنه كاذب) مفاده أن حبيبته قد قتلت. وإذ وقع الأمير نهباً لحزن لا قبل له باحتماله، فقد أعمل في جسده تقطيعاً بفأس، فسال الدم من جراحه الغائرة على الأرض، ومن كل قطرة من دمه نبتت وردة قرمزية رمزاً لحبه المتصف بالكمال. فيما كتب الرحالة جون تشاردن، احد رحالة القرن السابع عشر، يقول: عندما يقدم شاب لحبيبته زنبقة فإن هذه الهدية تتضمن رسالة تفهم الحبيبة منها، ومن خلال اللون العام للزهرة، أن حبيبها يكتوي بالنار لجمالها، أما إذا كانت قاعدة الزهرة سوداء فإنها تنطوي على مغزى آخر مفاده أن قلبه يحترق ليغدو كتلة من الفحم”.

 رعاية سلطانية

إلا أن الزهرة حظيت برعاية سلطانية مميزة من قبل السلطان سليمان في النصف الأول من القرن السادس عشر، حيث “زينت زهور الزنبق أردية السلطان، وليس فقط ملابسه الداخلية كما كانت عليه الحال في عهد بيازيد، وتشهد على ذلك عباءة السلطان الإمبراطورية المقصبة، ذات اللون الحلبي، والتي ما تزال باقية إلى اليوم، والمزينة بمئات الأصناف من زهور الزنبق، كما يشهد على ذلك الدرع الامبراطوري الذي كان يرتديه إبان الحروب في هنغاريا وبلاد فارس والذي كان مزداناً بزهرة زنبق واحدة رائعة الجمال يبلغ طولها تسع بوصات”. لكن هذه المكانة اللافتة لم تكن وليدة صدفة حيث حظيت بمكانة لافتة لدى الأتراك والفرس وبأهمية رمزية عظيمة “إذ كانت تعد وردة الله، ذلك أن الأحرف العربية التي تكون كلمة (لالي) التركية- وتعني الزنبق-هي ذات الأحرف التي يكتب بها اسم الجلالة (الله). كما رمزت زهرة الزنبق إلى فضيلة التواضع أمام الله، ذلك أنها في حينما تكون في أوج اكتمالها، تحني رأسها تبجيلاً لجلاله”، ومثلما غرسها البستانيون ليعينوا أرواحهم على الارتقاء إلى الفردوس، نسجت النساء في الامبراطورية التركية آلافاً من الصور لزهرة الزنبق كرموز دينية كي يقدمنها مصحوبة بالدعوات بأن يعود أزواجهن من الحروب سالمين”.

 إلى أوروبا

تتحدث المعلومات أن من أوصل الزهرة إلى أوروبا كان (لوبو فاز دي سامبايو) حاكم الهند البرتغالية، رغم انه عاد مسجوناً إلى وطنه إلا أن ولعه بالزنبق تمثل “في الحرص الكافي على الزنبق إلى درجة أن يقنع آسريه بأن يسمحوا له بحمل أبصال الزنبق على ظهر السفينة”، إلا أن هذه المعلومة يخالجها الشك إذ كان يمكن الحصول على الزنبق من تركيا أو بلاد فارس وصعوبة وصول أبصال الزنبق بعافية إلى البرتغال بسبب الرحلة الطويلة !!. إلا أن مقولة أخرى تقول أن أوجير جيسلين بوسبك سفير الامبراطور الروماني المقدس إلى اسطنبول أرسل عدداً من بصلاتها وزعها إلا أن روايته ليست دقيقة أيضاً. في الوقت الذي يعزى فيه إلى عالم النبات الشهير كلوسيوس الفضل في إيصال بصلات الزنبق إلى أرجاء مختلفة من أوروبا، والذي طور أنواعها بفض الأبحاث التي كان يجريها عليها في جامعة ليدن.

الزهرة المغرورة

بعدما كسر الهولنديون احتكار الاسبان لجزر الهند الشرقية، مس فائض الثروة الناجمة عن التجارة بالتوابل والأخشاب والخزف الصيني الهولنديين، صاروا كما الفرنسيين أصحاب الموضة، يعتنون بالحدائق وبات التمايز في ما يزرع فيها نوعاً من أنواع التباهي والمنافسة فيما بينهم. إلا ان ما جذب الكثيرين إلى زراعة الزنبق وبيعه هو عدم حاجته لاستثمار كبير، ولم يكن زارعو الأبصال “مطالبين بالانضمام إلى نقابة تقيد نشاطهم أو تلزمهم دفع اشتراكات باهظة، ناهيك عن مراقبتها الصارمة لمعظم الحرف والمهن القائمة في الجمهورية الهولندية”. ومع وجود زبائن دائمين من الخبراء وأصحاب البيوت الريفية الجديدة حديثة الطراز ازدادت الحاجة إلى الزهرة. وفي الربع الأول من القرن الثامن عشر كان الهولنديون يبعثون شحنات من أبصال الزنبق إلى أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.

 سوق الأوراق المالية

في ثلاثينات القرن السابع عشر تأسست أسواق الدفع الآجل في أمستردام، للتعامل بالأخشاب والقنب والتوابل في سوق الأوراق المالية الهولندية، وكان الزنبق أول سلعة تشترى وتباع خارج أسواق أمستردام، كما كانت أول سلعة يتاجر بها أي شخص من خارج دائرة كبار التجار وخبراء الأسواق المالية. وحصد كثيرون أرباحاً لافتة من هذه التجارة. ورغم سيطرة زهاري مدينة هارلم على هذه التجارة إلا أن هيمنة مطوري الزنبق الهولنديين كانت مستمرة، وحتى بعدما انكسر احتكارهم خلال حروب نابليون إلى أنه بقي لهم سمعة لا تضاهى. ومع طريقة حفظ الأبصال في درجات حرارة منخفضة، غدا من الممكن التحكم بإزهارها حسب الرغبة، وانتهى زمن الانتظار الطويل لدورة الزنبق القادمة التي تصيب عشاق الزنبق لعدد من القرون، كما زال معها الشرط المسبق الوحيد الأكثر ضرورة لحدوث ولع بالزنبق.

تاريخ الزنبق

 1050 زراعة الزنبق البري في فارس والعراق.

1559 اول زهرة زنبق تزهر في أوروبا.

1570 وصول الزنبق إلى هولندا.

1633 بيع مبنى في هولندا مقابل 3 زهرات.

1637 الزنبق ينافس المعادن الثمينة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s