سعد حاجو: السوريون في مرحلة تشكيل الوعي الجمعي الجديد

by Mustapha azab
تصوير: مصطفى عذاب

 

 

يصعب تذكر نسخة الجريدة الورقية من صحيفة “السفير” دون كاريكاتير سعد حاجو. شخصياً، واظبت على اقتطاع هذا الكاريكاتير في الصفحة قبل الأخيرة لسنوات واحتفظت بالكثير من رسوماته. اليوم صارت كاريكاتيرات سعد حاجو معلماً بصرياً أساسياً يتداولها ناشطوا وسائل التواصل الاجتماعي، ويستخدمها ناشطون في تظاهراتهم كان آخرها إحدى تظاهرات الثورة في تونس. كنت أتوقع أن يكون الحديث مع رسام كاريكاتير صعباً، كونه يفكر بالصورة أكثر منها باللغة، إلا أن اللغة الموازية التي يتحدث بها ويعبر فيها عن أفكاره ملفتة ببساطتها وسهولتها وفي الوقت نفسه ما تحمله من عمق. الخطوط المتقشفة التي عرفته بها في التسعينات، صارت أكثر غنى وألواناً رغم أنه يفترض أن يكون العكس، تبعاً للحالة المأساوية التي تعيشها سوريا، إلا أنه أخبرني نيته العودة إلى الخطوط الأساسية في الفترة القادمة. عندما تحدث لي عن كيفية الرسم، شعرت أنه “طقوسي” عندما حدثني عن نوع قلم الرسم الذي يستخدمه، ونوع الورق، وحجمه، إلا أنه استمر بمفاجأتي عندما استل جهازه المحمول غالاكسي نوت 3، وعرض علي رسومات رسمها بيده. شعوره هذا يعيده إلى شعور الرسم البدائي الذي استخدمه أهل الكهف القدماء، موضحاً أن وصول هذا الموبايل أراحه لأنه يحب الرسم دون أي وسيط إضافي. “أرى” التقت سعد حاجو على هامش مشاركته في معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي اختتم مؤخراً، وكان هذا الحوار.

 

كيف يستطيع رسام الكاريكاتير التعبير عن نفسه؟

تقصد في لقاء صحفي؟، علي تغيير لغة التعبير من اللغة البصرية إلى اللغة المحكية.

 

في العادة تعبر بالرسم والصورة لكن كم اللغة أداة موازية لإحساسك البصري كفنان كاريكاتير؟ 

عندما افكر بالرسم الكاريكاتيري أفكر بالشكل -على الأغلب. الفكرة تأتي على شكل صورة، ولو جاء شيء مواز معها بتوصيف ما فلا مشكلة. أنا أؤمن بتعريف كلاسيكي لرسام الكاريكاتير السياسي يقول: هو الشخص الذي تتقاطع لديه ثلاث دوائر هي: الرسام الفنان، الصحفي، والفكاهي، ومجموع نسبهم إلى بعض يعطي النتيجة من أنت.

 

كيف تقسم هذه النسب في حالتك؟

بالنسبة لي أتصور أن تقسيمات هذه النسب يختلف حسب السنوات. بداية كنت رساماً وفكاهياً بمعنى السخرية والضحك، وكانت السياسة وسيلة لإيصال الفكرة، لكن مع الوقت وازن الجانب السياسي مع الاثنين، وصارت النسبة أكثر تقارباً. لكن ضغط العمل اليومي يخفف من شرط الرسم لصالح اليومية، وكثير من رسوماتي أعيد رسمها من جديد قبل عرضها في معرض. أرشفة الرسمة تفرض علي إعادة رسمها وصارت معي أكثر من مرة، وأقصد عندما اقوم برسمها للجريدة اليومية كنت أتمنى لو كان عندي وقت أكثر وهذا ما أفعله قبل المعرض.

 

من أين يستل سعد حاجو أفكاره؟ ألديك نبع للأفكار؟

هذا السؤال تحديداً لم يكن لدي جواب عليه قبلاً. أنا أنشر منذ أكثر من 20 سنة بشكل منتظم، ومع الوقت اكتشفت  –بلفتة من زوجتي سحر برهان- أني أقلق عندما يقترب موعد تسليم الرسمة. في العادة كنت أرسل رسوماتي بين الساعة 12 والواحدة، لكن مع الوقت صار الوقت أقصر وصرت أعمل قبل نصف ساعة من موعد التسليم.

سأنقلك إلى حكاية موازية ربما توضح لك ما أقصد. سبق لي وتفرجت على وثائقي لمخترع ياباني فاز بنوبل يعيش في بيت بشارع يحمل اسمه، ويضع الموبايل على يده، ويحتفل بــ ميلاده الــ 80. يقول المخترع إنه اكتشف انه عندما يغطس بالمسبح لمستوى معين أكثر من 2 متر يصير الضغط عليه قوياً فيضيق نفسه ويشعر بشعور الموت. اكتشف أن هذه اللحظة تحديداً يحدث تدفق أفكار لا نهائي، وعلى ما يبدو شعور الانسان بالنهاية يقترب، لكنه يضيف أن مع خروجه إلى الأعلى يكتشف أن 98% من الأفكار نسيها، وحتى يتذكر هذه الأفكار اخترع قلم وورقة ليكتب تحت الماء.

على ما يبدو أنا أعمل تحت الضغط هكذا، وتبين لي أن القصد من العمل يخرب العمل أحياناً.

 

كيف تقضي يومك كرسام الكاريكاتير؟

أحب كثيراً وقت الفراغ، ولا أعمل يوم العطلة. أعمل تحت الضغط، وأجمع المعلومات طول اليوم. فيما أقضي بقية الوقت مع أصحابي.  لما كنت في بيروت كان أعمل في الليل، أنام متأخراً وأفيق متأخراً، وأمر بالجريدة خلال النهار. ولما غيرت المكان –بعد انتقالي إلى السويد- صار يومي أكثر انتظاماً. أستيقظ مبكرا. أحضر الأخبار. أتابع الكثير من الأخبار، وأحيانا زيادة عن اللزوم. أقرأ الأخبار والتحاليل كلها. أجمع الخبر طيلة اليوم.

أحب رؤية وجوه الناس وأرسم سكتشات الناس كتمارين. الجميل أنك عندما تذهب إلى بلد لا يعرفك فيه الكثير فهناك ميزة ألا أحد يقاطعك مما يجعلني أرسم طيلة الوقت. فعندما أرتاح أرسم. مؤخراً صار المشي مع أصحاب يولد الأفكار ونحن نمشي في الغابة، وهذا أعتبره وقت عمل.

 

هل تسجل أم تكتب هذه الأفكار المتدفقة؟

مع الوقت والضغط صرت أسجل، لكني أرى الأفكار في رأسي. في بداية عملي كنت أستيقظ ليلاً وأكتب أفكاري وأنشرها لاحقاً.

 

كيف تفصل عملك عن حياتك؟

بفصل الحواس. الموسيقى تساعد كثيراً. أصحابي موسيقيون علموني أن ما أسمعه مختلف عما أفكر فيه، ومختلف عما أحكيه. أحيانا أتخلص من ضغط العمل برسم لوحة. بين يدي حالياً لوحة لم أكن راض عنها لما رسمتها للجريدة، وهي عبارة عن طائرة تدخل في ثقب إبرة. رسمتها وأنا غير راض لكني أريد نشرها. أريد رسمها بمقاسات كبيرة توضح حجم الطيارة والإبرة. هذه للاستراحة.

 

هل من نمط موسيقي محدد ترتاح إليه ؟

في لبنان كان تأثير الرحابنة مسيطراً،  لكن عندما صرت أسمع مقطوعات موسيقية قومية اخرى صرت أكثر انفتاحاً، ويطيب لي أن أختار الموسيقى الخلفية عندما يزورني أصدقائي في المنزل.

 

كيف يمكن لزوجين رسامي كاريكاتير في بيت واحد أن ينتج كل واحد منهم دون تأثر؟ فكلاكما ينتج عمله من المنزل ومتقاطعان بالمكان فكيف يكون هذا ممكنا؟

نحن مختلفان بالطباع. سحر لا ترسم إلا وحدها وفي الاتيلييه. أنا بالعكس أرسم بين الناس. النقطة الثانية: سحر من الممكن أن تعيد رسم ما تنجزه 10 مرات. فيما أرى الصورة براسي وأعيدها برأسي عدة مرات لكني أنجزها مرة واحدة فقط. أنا ناقد جيد للكاريكاتير وأعرف أن لدى سحر هوية بصرية مميزة جداً، وهي من أكثر الناس معرفة بتوصيل ما تريد قوله بالخطوط بغض النظرة عن الفكرة أو التعليق. في هذه الناحية علاقتنا جميلة وفي منافسة. لكن من حظنا أن كلينا يؤمن بكيان الآخر.

 

ألا يوجد أيام يكون انتاجكما متقارباً نتيجة شرط أو تقاطعات ما؟

نعم من الممكن هذا.

 

أتتفق معي انه لا يوجد العديد من رسامات الكاريكاتير ومن المعروف أنك شجعت سحر، فلماذا لا يوجد؟

بالعكس أنا أرى أنه يوجد. مؤخراً شاهدنا الكثير ففي سوريا لدينا الشقيقتان سلافة وبهراء حجازي، لكن المشكلة أنه لم يكن لديهم إمكانية للظهور، وطبعا المجتمع الذكوري له دور، وهذا ما عانته زوجتي  سحر عندما عملت رئيسة قسم في جريدة الأخبار ولم يتقبلها الزملاء. رأيت نظرة في وجوه أصحابي أن كيف لمرأة أن تديرهم؟. وهناك أسماء أخرى كعليا حاجو وهي لبنانية ولا تمت لعائلتنا بصلة، إضافة لدعاء العدل في مصر لافتة، وهناك أسماء أخرى لا تحضرني في هذه اللحظة، كما أن لرسامات الكاريكاتير بصمة مختلفة عن الرسامين الذكور وهذا ما تتبينه بوضوح في التفاصيل التي تعتني بها المرأة.

 

من آباء سعد حاجو؟

هما اثنان، وهما من اختلفت معهما في أواخر حياتهما: بهجت عثمان ومحيي الدين اللباد. ويعود إليهما الفضل في تبنيّ. كانا يحاربان لأنشر وقتها كان هذا صعباً. كنت أنا وأرمان حمصي جدداً ومختلفان عن بقية رسامي الكاريكاتير في لبنان، وقمنا ببصمة في هذا المجال. وأنا سعيد بتعرفي إليهما لكني قتلتهما أبويا، ففي فترة حاولوا تأطيري وتوجيهي كما يحبون وهذا من محبتهم لي، لكني تمردت إلا أني أكن لهما كل المعروف.

 

قلت في حوار صحفي “أصبحنا نضاهي صحيفة “الكانار انشينييه” الفرنسية الساخرة ذائعة الصيت. الكاريكاتور الفرنسي مثلا، ذو التاريخ العريق منذ الثورة الفرنسية أصبح وراء ظهرنا”، أليس في هذا الكلام مبالغة نوعا ما؟

هو نوع من التفاؤل لأنك لو قست الرسومات الحالية بما كان يرسم قبل 3 سنوات ستحس بالنقلة النوعية. اليوم صار الفنانون متفاهمين على الرموز حتى. وهو ما نراه حالياً في “الانتخابات” السورية التي صارت نوعاً من الكوميديا الشعبية غير المحترفة، وهذا طالب المحترفين برفع سقف الاحتراف، لأن لدى السوريين حالياً هوية بصرية واضحة.

 

كيف تجد الثورة على مستوى الفن؟

أتابع كثيراً ومتفائل بما يتم إنتاجه. فمثلاً وسام جزائري يقدم ديجيتال آرت، وهو فنان معاصر بأدواته، وعندما سألته عن عمره أجاب عمري 22 سنة في الوقت الذي أبلغ عامي الــ 44. هو معاصر بطريقة رهيبة. ومن الملفتين أيضاً الديجيتال آرت لتمام عزام، وغرافيك عمار البيك. حتى على مستوى المفردات تم رسم رموز لم يتم رسمها مسبقاً، وصارت معرفة الأشخاص سهلة بالإشارات، كشخصية المفتي حسون. طالب ابراهيم. محققوا الشاشة السورية. الآن صار لدى السوريين قاموس بصري، ويمكن معرفة هذا الغنى من خلال الكم السيء من الأفكار التي يتم إنتاجها بالتوازي مع هذا الجيد لكن الحمدلله السيء ليس سائداً إلى درجة كبيرة، لكنه موجود. صار هناك صف ثاني من الرسامين وصاروا يقدمون منتجاً تجارياً مضروباً، وعندما هذا النمط معنى ذلك أنه يوجد بضاعة جيدة، لكن نحن بمرحلة الإنتاج الإبداعي الذي يشكل الوعي الجمعي الجديد. هذا يتشكل وهناك سيء كثيراً وهناك رغبة بالتقليد لكن الجمال الذي ينتج حضوره ملفت.

 

 

بروفايل

رسام كاريكاتير سوري مقيم في السويد (دمشق- 1968م) تخرج في كلية الفنون الجميلة قسم التصوير الزيتي، دمشق، ينشر رسومه في عدد من أبرز الصحف العربية والدولية منها النهار والسفير – لبنان، الأهرام العربي – مصر، وجريدة الفولك بلاديت السويدية. شارك في العديد من المعارض داخل وخارج العالم العربي، وعضوية لجان تحكيم عدد من المسابقات العربية والدولية. صدر له كتاب  يضم رسوماته المنشورة في جريدة السفير بعنوان (بلاد العنف أوطاني). وأشرف على إصدار (ديوان بهاجيجو) الذي يضم أعمال الفنان بهجت عثمان بالتعاون مع الفنان الراحل محي الدين اللباد.

This slideshow requires JavaScript.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s