شربل روحانا: “تشويش” بين الحياة والموت

1507859387

في الوقت الذي تقرأ فيه هذه المقابلة يكون ألبوم الموسيقي اللبناني شربل روحانا «تشويش» قد صار في الأسواق. الألبوم غنائي بالكامل، ويضم 14 أغنية من كلماته وشقيقه بطرس وجرمانوس جرمانوس وأغنية غير ملحنة لزكي ناصيف. لا يرى شربل أنه يرضي رغبة الناس بالغناء إنما حاجة داخلية بالدرجة الأولى، والدليل إصداراته الموسيقية بعد ألبومه الغنائي الشهير «خطيرة». حتى اليوم ينتج شربل لنفسه في ظل غياب شركات الإنتاج، ويعيد الموضوع إلى تقصير منه، إلا أنه يعود للتساؤل عن مدى التقاطع بين خطه الفني ورسائل أغنياته وأجندات مثل هذه الشركات. «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» استضاف الفنان اللبناني بدعوة من اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في محاضرة موسيقية عن «الموسيقى اللبنانية بين الأمس واليوم»، كما اختتم عزفاً منفرداً على العود مع أداء بعض من أغنياته في أمسية «تنويعات على مقام الحب»، في ختام معرض أبوظبي الدولي للكتاب

نبدأ حوارنا من «تشويش» ألبومك الأخير الذي كان مقرراً أن يصدر خلال معرض أبوظبي الدولي للكتاب؟
«تشويش» هو عملي الجديد من إنتاجي الشخصي، لكن لظروف تقنية لها علاقة بالطباعة سيتأخر صدوره قليلاً، وأظن أنه سيكون قد طرح في الأسواق في وقت نشر هذه المقابلة. «يبتسم»

عند الحديث عن عازف مهم كشربل روحانا ألا يبدو الأمر مستغرباً أن يكون الخيار الإنتاج الشخصي؟
في غياب الشركات المهتمة أصبح أنا المسؤول عن ترجمة أحلامي، وأتمنى في يوم من الأيام أن أجد شركة إنتاج تهتم وتدفع. أعتقد بأنه يوجد الكثير من المال الذي يصرف على العديد من المجالات وعلى برامج كثيرة وفنانين كثر. ربما يوجد جانب في الموضوع أتحمله وهو أني لم أقدم موسيقاي أو أغنياتي لأي من هذه الشركات، وربما هذا خطئي. لكني أقول إن توجه شركات ما مغاير لتوجهي وكيفية عملي على الكلمة واللحن والتوزيع والأداء بحيث يكون في كل أغنية رسالة ما، وكم يهم هذا الشركات العملاقة

ألا ترى الإنتاج الشخصي لألبومك يجعلك بعيداً عن شريحة كبيرة من الجمهور هو في الأساس جمهورك، كما أن هذا يعني أن منافذ التوزيع لن تكون متاحة بسهولة، وربما يلجأ البعض للحصول على نسخة مقرصنة حتى يتسنى لمعجبيك الاستماع إلى عملك الفني؟
أنا سأقسم الموضوع إلى قسمين. الأول إنتاجي لـ «CD» وهو ما قمت به أنا وحدي. والقسم الثاني وهو التوزيع. التوزيع سيكون موكلاً لشركة (آرت لاين) التي ستتولى مهمة توزيع الألبوم بشكله المطبوع، كما توفر الـ «CD» أونلاين عبر منافذ البيع الالكتروني المعروفة كأمازون، وآي تيونز وغيرها، وهذا جانب مهم جداً في وقتنا الحالي، وهو ما لم أهمله. كما قيل لي هناك سوق كبير. وإن كان هذا الشق ناجحاً سيكون حقي المعنوي على الأقل قد وصلني. مادياً الأعمال التي تسجلها ليس من الضروري أن تعيد لك جزءاً من العائد المادي إلا في حالة شركة الإنتاج التي تعطيك التمويل لإنتاج العمل، لكن الاتكال على المبيع ليست نتيجة باهرة

هل لنا أن نتكلم المزيد عن الألبوم الجديد «تشويش»، ولماذا «تشويش» بالتحديد؟
بدايةً لو كنت أعرف لماذا «تشويش» ما كنت لأسميه هكذا. المشوش هو الذي لم يصل إلى قرار واضح، لذلك كتبت على غلاف الـ «CD» جملةً واحدةً فقط «الواضح هو لحظة الولادة والموت وما بينهما تشويش». برأيي كل الحياة فيها عوامل كثيرة تدعوك لأن تكون مشوشاً، لا أحد يرسو على قرار معين وتتجه فيه كل حياته. قلائل جداً الناس الواضحون بخياراتهم. البعض واضحون، لكنهم في العمق متخبطون إنما عندهم القدرة على الظهور بهذا المظهر، لن أسميه تكاذب لكن لو عدت إلى أي شخص ستجد بينه وبين نفسه طبقات عديدة، تجعله مشوشاً دون أن يظهر للآخر

كم أغنية أو مقطوعة موسيقية سيضم الألبوم؟
بعد 4 سنوات من آخر ألبوم «دوزان» (2010) وكان حوار عودين، وبعد مرور 4 سنوات تجمعت لدي بعض الأغنيات، وقلت لو لم تصدر هذه الـ 14 أغنية لربما يذهب وقتها، وربما يصير لدي اهتمامات مختلفة، وربما أذهب إلى مطارح جديدة بالكتابة أو العزف أكثر. لذا قررت تقديمهم ضمن باقة واحدة. الأغنيات كلها تحكي عن الحب من عدة زوايا. أحدهم أخبرني أن عند اليونانيين 17 حالة مغناة للحب. برأيي هناك مواضيع مختلفة يعبر عنها، ولذلك عندما تتناول الحب من عدة زوايا يصبح التشويش سيد الموقف، خصوصاً عندما تتعرض لهذه الزوايا بشكل يومي

هل كتبت كل كلمات الألبوم؟
أنا كتبت 6 أغنيات، أخي بطرس روحانا كتب 5 أغنيات، وهناك أغنية لجرمانوس جرمانوس بعنوان «كلك مرا»، وهناك أغنية من كلمات زكي ناصيف وألحاني وأدائي، وهذه من النوادر أن تجد أغنية لزكي ناصيف غير ملحنة، وصلتني بالصدفة فلحنتها وضمنتها ألبومي، وتقول: «ميلي ياحلوي ميلي يا غضن البان/ نقلة نقلة مقابيلي نقل الغزلان/ خليها طيور الجنة اللي ما بتغني/ بس تشوفك تغني أحلى الألحان». الكلمات ستايل زكي ناصيف في الكتابة، وحاولت فيها بدوري التقرب من نمط زكي ناصيف الموسيقي

ما النمط الموسيقي للألبوم؟
يتراوح بين الشرقي والمقامات العربية مع توزيع بسيط. لم ألجأ للتوزيع الأوركسترالي الضخم أولاً لعدم وجود إمكانية، وثانياً لعدم وجود حاجة لمثل هذا النوع من التوزيع. لكن دون أن أؤذي الفكرة اللحنية التي أحبها واضحةً براقةً، ويأتي التوزيع مثل الكحل والحمرة واللباس الذي عليه إبراز هذا الجمال الطبيعي

شربل روحانا يقدم 14 أغنية في ألبوم جديد! هل هذا استجابة لضغط الناس الذين أحبوا شربل مغنياً؟ أم أنه جزء من اشتغالك الواعي والمقصود لإنتاج ألبوم غنائي تقدم فيه ما يدور في خاطرك من أفكار؟
في الواقع أنا ألبي حاجة داخلية، والدليل أني بعد ألبومي الغنائي «خطيرة» (2006) كان يمكن أن أتجه بسهولة كبرى للغناء، لكني على العكس قدمت بعدها مباشرةً عملاً موسيقياً بعنوان «شغل بيت» (2008)، وتلاه «دوزان» (2010) والبطولة فيه لعودين، وبالتالي أنا لا ألبي حاجة أحد سوى حاجة نفسي. وهذا ما كتبته في ألبوم «خطيرة»: «إرضاء الناس محال فاتجهت إلى نفسي علني أرضيها». لذا هو مقياس نفسي وشخصي. وأتمنى أن يكون للعمل مستمعين ويحبونه، ولن أكذب عليك وأقول أنا عملته لنفسي وفقط. لا أحد يعمل بهذه الذهنية الاستعلائية. بالتأكيد أنا أكتب عملي لأحبه أنا، ولا أطرح أي شيء في الأسواق إلا بعد أن أكون أنا راضياً عنه 100%، والعمل الذي أحببته وكتبته في بيتي، وتعبت وسجلته، لا أجمل من أن يصل إليك وتفرح به، هذه فرحتي

بين السائد، كيف يمكن لعمل مستقل أن يقف في وجه هذه الموجة؟ وكيف ترى الحرفة الموسيقية التي يقدمها شربل روحانا ضمن غابة السوق الاستهلاكي هذه؟
المشكلة أني لم أعمل مع شركة كبيرة وفيها وفرة مادية وإنتاجية حتى أحس بالفرق الآن، فمنذ بداياتي أنا أنتج لنفسي. أنا بالمعنى الإنتاجي أعمل بطريقة ذاتية وشخصية، والشركة التي سبق وعملت معها كانت مستقلة ولم توفر لي هذه الراحة المادية الكبيرة إنتاجياً، لذلك اليوم لا أعرف الفرق لأني لم أدخل فيه. أما عن الجانب الثاني وهو محل الألبوم الحالي من الإعراب وسط الغابة الكبيرة والمنتشرة على القنوات التلفزيونية، ربما يكون الجواب عن هذا السؤال مضمناً في الشق الأول هناك شيء في داخلي (لا أعرف إن كان صحيحاً أو خاطئاً) وهو أني لا زلت أنظر إلى الموسيقى بغواية الهاوي وكحاجة شخصية. ربما لا أعمل موسيقياً بطريقة بيزنس بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الموسيقى في الواقع بيزنس بالنسبة لي وأنا أعيل أسرتي من هذا العمل. في النهاية أنا أود أن أكون مرتاحاً مادياً، لكن أحياناً الخوف من الغد في أمورك الأساسية يؤثر على إنتاجك الفني، والخوف على العائلة يؤثر على إنتاجك الموسيقي. هناك أوقات ترى أنه لا يحق لك المغامرة بخياراتك «كرمى لعيونهم»، وتعد للعشرة. هذا يعيق الإبداع أحياناً كثيرة، وربما يشكل التضاد مع حالة الإبداع في كثير من الأحيان

ما أعمار أولادك؟
ابنتي هيفاء عمرها 17 سنة، وابني نديم 15 سنة

هل خياراتهم موسيقية مثلك؟
علاقتهما بالموسيقى ممتازة، لكن ليس بالضرورة أن يكونا موسيقيين. أنا أحب أن تكون أذنهما موسيقية وأن تحلل الموسيقى بشكل أعمق، لكن ليس شرطاً لأن يكون توجههما النهائي. بالتأكيد لن أشجعهما أن يكونا موسيقيين محترفين ولن أمنعهما من احتراف الموسيقى في الوقت نفسه، لكني لا أريد لهما أن يكونا موظفين بالموسيقى، أتمنى لا. ربما هما يريدان هذا، لكني أفضلهما مبدعين، هكذا أفهم الموسيقى. لكن بالضرورة أنا لا أستطيع فرض خياراتي، واجباتي هي في إنارة الطريق

أود سؤالك عن الهجرة على اعتبارها صارت هاجس «المواطن» العربي، هل يفكر شربل روحانا بالهجرة بعيداً عن لبنان؟
دون شك في هذه الفترة المنطقة العربية تعيش ظروفاً صعبة. أشبه وضعي بشخص جمع أوراقه في ملف واحترق، ثم عاد وأنشأه من جديد وأيضاً ضاع. ومرة ثالثة ضاع. في أحد المطارح أتساءل هل لي صبر على إعادة إنشاء هذا الملف من جديد؟. أنا في هذه المرحلة. أسأل نفسي وأنا في مرحلة المسؤوليات تجاه العائلة خصوصاً أن الأعمال ليست مشرقة إلى هذا الحد في البلدان العربية، أو تحديداً في لبنان. لا يوجد هذه الإطلالات الكبرى حالياً، كنت أحيي حفلات كثيرة في سوريا، والأردن وغيرها من البلدان لكن حالياً الحركة ضعيفة نسبياً. أخشى إن قدم لي عرضا ممتازا لمكان هادئ أكون فيه مرتاحاً فكرياً وأضمن فيه حياة كريمة لي ولعائلتي، لربما أفكر بالرحيل. أنا قاومت بشكل إرادي ولا إرادي، ومررت بعدة فرص لأكون بفرنسا وأمريكا وكانت العاطفة غالبة عندي، وهذا ما عبرت عنه بأغنية «الفيزا»: «بلا فيزا من ليزا/ خلينا بلبنان/ العيشة لذيذة/ أحلى من وين ما كان». وهذا لا يزال رأيي حتى اليوم. سبق لي أن أجبت على هذا السؤال مرات عدة. لا أعرف متى أهاجر، لكني لا زلت في لبنان، وأتمنى أن يصير الوضع جيداً، وأن نصل إلى ذلك «الشرق الجديد» الذي لا أعرف كنهه ضمن هذه الديكتاتوريات من جهة، وبين الأصولية والأطماع الخارجية من جهة أخرى

مع كل هذه الظروف التي تحدثنا بها هل تجد الوقت مناسباً للحب؟ ألا تجد أن الوقت مناسب أكثر للسياسة؟
لا أحب أن أركب الموجة حتى أحصد الجماهير الغفيرة، ولا أن أستثير مشاعرهم المتعلقة بالأوطان، وهذا ما عبرت عنه في أكثر من أغنية في ألبوم «خطيرة»، لكن على ما يبدو الأغنية تضيء وتدل على طريق ما، لكنها أبعد من أن تغير، وطالما أنك تعيد المواضيع نفسها، ماذا سأقول بعد؟. سبق لي وتحدثت عن «التغيير»، وعن «الفيزا»، وعن «اللغة العربية»، وأنا وغيري تحدثنا عن «الطائفية»، لذا يبقى السؤال: لشو التغيير؟. ولو كان المرء سيتعظ من «CD»، كان ليتعظ من أغنية أو من نظرة! لكن اليوم لا تزال كمية السلاح تتدفق، وكميات العصبيات الطائفية تزيد، والمصالح الخارجية تزيد، وكأننا في خطان لا يلتقيان أولهما ما نطمح إليه من شرق جديد، وما يدور على أرض الواقع. أنا لا أقول أني يئست، والدليل أني أدفع من جيبي الخاص لأنتج أحلامي، لكني لا أستطيع إلا أن أكمل بمشروعي الذي يحاول خلق التوازن بين البشاعة والجمال

من أين يستقي شربل روحانا أفكاره؟
القصائد التي أكتبها هي خواطر وأفرغها، لكني لم أطور هذا الجانب ولست صاحب صنعة فيه، هناك أناس هي صنعتهم. موسيقياً أسمع، وبعض الأحيان عليك أن تجرب. تأتيك الجملة من حيث لا تدري دون أن تكون مستعداً. لكن ما من جواب. أكيد أن تكون تسمع وتقرأ يعطي عمقاً أكبر لتجربتك، لكنها «شغلة لا أعرف كيف بتصير»

لطفولتك في «عمشيت» دور؟
كل شيء له دور. مخزوني الداخلي الذي أضع فيه كل شيء. هذا الحديث. الكتاب. الموسيقى. وأنت لا تعرف كيف يظهر في يوم من الأيام. في لحظة يخرج، وأكيد سيكون مزيجاً من كل هذا

لمن يقرأ شربل في الشعر؟
أعترف أن قراءاتي في هذا المجال قليلة، لكني قرأت لمحمود درويش والفضل لمارسيل الذي قربنا لشعر محمود، وشكراً لمارسيل على ما فعل من خلال تلحينه لقصائد محمود. أتمنى أن تكون هناك فترة لا أكون فيها إلا قارئاً. هذه أمنية. ربما مشكلتنا كموسيقيين أننا ندخل عميقاً في الحياة اليومية المعيشية، وكعمال موسيقى علينا العمل كثيراً لتأمين رمق حياتنا، وهذا أحيانا لا يعطينا امتياز السباحة في بحر الثقافة والفنون

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s