الكافرة .. رحلة فيلمية في أقاصي الرواية

الكافرة

مع ورود أخبار عن تحول رواية إلى فيلم سينمائي، فإن الذهن يستدعي تلقائياً المشاهد التي مرت في بالك وأنت تقرأ الرواية. لربما ستجهد في تذكر المشاهد التي اخترعها خيالك وأنت تقرأ، لكن في الوقت نفسه تحاول أن تتقمص شخصية مخرج لتفكر في أي المشاهد التي سيبني عليها المخرج حبكته، أو الشخصيات التي سيستبعدها ليكون فيلمه لا الرواية مصورة. هذا أول ما تبادر إلى ذهني حين قرأت  خبر تحويل رواية «الكافرة» (دار المتوسط، 2015) إلى فيلم سينمائي نقلاً عن صفحة مؤلفها علي بدر على الفيسبوك. في الواقع المهمة صعبة عندما تكون قد أنهيت الرواية قبل وقت طويل، لكن عندما تحمل القصة طزاجة انتهائك من قراءتها  قبل أيام معدودة فذلك أمر مختلف بالتأكيد.

هنا محاولة لقراءة “الكافرة” بطريقة مخرج يبني شخصياته. صوفي/فاطمة هي البطلة. أدريان العشيق الذي التقته يوم عيده في بلجيكا. الأب الفقير المهمش الذي يصير قيادياً مع جماعات المسلحين الذين دخلوا قريته وينتقم بسلطته من تاريخه ومن أساؤوا له. راضي بائع الكحول الذي يغض المسلحون عنه الطرف لكونه يزودهم بالمال من تجارته المسموحة برضاهم، إضافة إلى زجاجات الكحول الضرورية قبل النوم مع السبايا. والتحول الذي يطاله بعد قتل ابنه على يد القساة، لأنه لم يحصل على إذن بالزيارة.

علاقة الأم الضحية الدائمة، والتي تنظف بيت السبايا (ضحايا الدواعش) مع فاطمة دون ان تتفوه سوى بكلمات الخضوع، وحواراتهما عن الخنوع والخوف والخشية منذ اللحظة التي تشاهد فيها مشهد رجم “الزانية”، ورفض فاطمة لمشهد الرجم البدائي، يبني لشخصية بالغة الحساسية والتمرد، إلا أن علاقة الأم بأحمد (ابن راضي زوجها الثاني) الجامعي الذي يدرس في العاصمة، يظهر عندما تتحدث فاطمة “لقد رأيت أمي للمرة الأولى، وهي تزين نفسها .. أخذت أمي تتغير شيئا فشيئا، كان حلمها أن تتزوج شابا مثل هذا الشاب، لا سكيرا مثل والده، ولا معتوهاً مثل والدي”.

رياض الشاب الوديع الذي يلون حياة القرية المظلمة برسومات فوسفورية تشع في الظلام، يتحول إلى انتحاري يريد دخول الجنة لأن فيها 70 حورية بانتظاره. تتخيل جمالية المشهد في الفيلم عندما يرسم حيواناته الفوسفورية، وكم ستبكي عندما تشاهد المسلحين القساة يحيطون به ويضربونه مقابل فعلته الشنيعة تلك، حتى ترشده والدته إلى مسايرتهم، ليخطط لهم لوحات الفتاوى، على اعتباره غير صالح للقتال. لا. لن يتخلى المخرج عن رياض، فهو بالتأكيد نقطة تحول، وهو من ترك فاطمة لأجل الحوريات في الوقت الذي تكاد فاطمة تصيح به “تريد أن تضاجع سبعين عذراء؟ وأنت معي لا تستطيع أن تفعلها مرتين …”.

تحصي المشاهد الجنسية في الفيلم: مشهد اغتصاب المهرب على وقع نظرات زوجته الشابة الوادعة وطفلته اللطيفة، ورنين كلماته “أنا هكذا أصنع الخير للآخرين، أحب أن أرى الآخرين سعداء، أنا لست مثل المهربين الآخرين، صدقيني أنا متزوج، وعندي طفلة، ستكونين بأمان صدقيني .. أنا رجل يخاف الله انظري هنالك القرآن مفتوح على الدوام”. الآخر سيكون مشهد حب على الشاطئ فيه من روح الجنس في الماء في سكس آند لوسيا مع أدريان، والثالث الاستمناء في الحقيبة –سيكون ساحراً إن نفذه هكذا. طبعا هناك المزيد لكن تتركه للقارئ والمشاهد. الحمد لله أن الفيلم سيكون من إنتاج شركة ألمانية وغالبا لن يتم إسناد الدور لممثلة عربية. لا تدري لم خطر ببالك مثل هذا الخاطر وأنت تشاهد من الجرأة لدى الممثلات العربية الكثير، لماذا تستحكم بك هذه العقدة؟. لربما يختار المخرج بطلة لا تمانع تقديم دور لافت في فيلم مقتبس عن رواية معاصرة كبطلات دانييل عربيد –على سبيل المثال لا الحصر. غالب الظن إن بحثت ممثلتنا المتعففة عن “الكافرة” في النت ستجد هذه المادة وتعتذر عن الدور.

الآن بعدما قرأ ما كتبت قارئان -أحدهما سينمائي- وكلاهما لم يقوما بقراءة الرواية بعد، وحفزتهما المادة على قراءتها، ستكون المادة قد مرت على المحرر، وأجازها للنشر، تكون قد شاكست النقد وما كتب عن الرواية بكل حب أو لؤم، ووصلت إلى قارئ في النهاية، لن تعتذر له عن إفساد المتعة وستستعين بخلطة الناشر السحرية في الغلاف الأخير التي تضيء على استخدام بدر لتقنيات “الدراسات الثقافية، وأدب ما بعد الاستعمار، والأنثروبولوجيا وأدب الاعتراف الجنسي، ممزوجة هذه المرة بلغة شعرية مميزة”، وتعود لباطن الغلاف الأول للرواية مستحضراً شهادة الصحفية الأمريكية ماري وايمبل “أعظم مؤرخ للتواريخ الهامشية وللقصص والحكايات المهملة والتي يصوغها بإطار ساخر”، وتحار أيهما أكثر إخلاصاً للتواريخ الهامشية علي بدر أم مواطنه حسن بلاسم، دون أن تخشى زعل أي منهما، فكلاهما في المتن بكل تأكيد.

بالمناسبة، هناك خط درامي كامل لم يتم الحديث عنه بتاتاً، ليبقى بمثابة “بونوس” لقارئ الرواية أو مشاهد الفيلم، أو ربما كليهما.

_________________________

الكتاب: الكافرة

المؤلف: علي بدر

عدد الصفحات: 227 صفحة/قطع متوسط

إصدار: منشورات المتوسط – ميلانو 2015

نشرت في اكسجين: http://www.o2publishing.com/books.php?id=83&catID=185

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s